من الظواهر التي تستحقّ التوقّف عندها في واقعنا التربوي، لجوء بعض الأهل إلى مصطلحات علم النفس لتفسير كلّ سلوك غير مقبول يصدر عن أبنائهم، وكأنّ مجرّد إطلاق تسمية نفسية على المشكلة يُعفيهم من مسؤولية التعامل معها.
فالطفل الذي لا يلتزم بالقواعد يُوصَف أحيانًا بأنّه مفرط الحركة، والذي لا يحترم الآخرين يُقال إنّه يعاني صعوبة في ضبط انفعالاته، والذي لا ينجز واجباته يُبرَّر سلوكه باضطراب في التركيز. وقد تكون هذه الصعوبات حقيقية بالفعل، وتستدعي تقييمًا متخصصًا ورعاية مناسبة؛ لكنّ المشكلة تبدأ حين تتحوّل الاحتمالات والتشخيصات إلى ذرائع تُعطّل التربية بدل أن توجّهها.
علم النفس يساعدنا على فهم الطفل، لكنّه لا يُعفينا من تربيته… فليس كلّ سلوك مزعج اضطرابًا نفسيًا، وليس كلّ خطأ دليلًا على خلل يحتاج إلى تشخيص، كما أنّ وجود اضطراب حقيقي لا يعني الاستغناء عن الحدود الواضحة، والمتابعة المستمرة، وتعليم الطفل احترام الآخرين وتحمل مسؤولية أفعاله، بما يتناسب مع عمره وقدراته.
والأخطر من ذلك أن يحاول بعض الأهل نقل كامل المسؤولية إلى المدرسة، مطالبين المؤسّسة التربوية بمعالجة نتائج غياب المتابعة المنزلية، وكأنّ دور المعلّم أن يعوّض وحده كلّ ما لم يتوفّر للطفل في بيئته الأسرية.
إنّ المدرسة ليست بديلًا عن الأسرة، كما أنّ الأسرة لا تستطيع أن تستغني عن المدرسة. إنّهما شريكان في التربية، ولكلّ منهما مسؤولياته التي لا يجوز التخلّي عنها أو إلقاؤها على الطرف الآخر.
فالمسؤولية يتحملها الأهل أولا، ونضرب مثلين من الإنجيل:
يجسّد يائيروس والمرأة الكنعانية أبعاداً تربوية عميقة ترتكز على وعي الأهل التام بأزمات أبنائهم وتحمل مسؤوليتها الكاملة. لقد تخطى كلاهما الحواجز الفكرية والاجتماعية؛ فتنازل يائيروس عن مكانته المرموقة كرئيس مجمع، وكسرت الكنعانية القيود الثقافية (كَونها وثنية)، ليعترفا علناً وبلا إنكار بحجم المعاناة؛ حيث صرخت الكنعانية بوعي: «يا ابنُ داودَ، ارحَمني! فابنَتي بها شيطان يعذبها جدًّا» (متى١٥: ٢٢)، بينما أقرّ يائيروس بشجاعة: «ابْنَتِي الصَّغِيرَةُ عَلَى آخِرِ نَسَمَةٍ. لَيْتَكَ تَأْتِي وَتَضَعُ يَدَكَ عَلَيْهَا لِتُشْفَى فَتَحْيَا!» (مرقس٥: ٢٣). لم يقف دور العائلة عند التشخيص، بل تماهيا مع الألم واعتبروا النجاة قضيّتهم الشخصية الأولى. وتجلى البعد التربوي الأبرز في السعي النشط والمثابرة الشرسة للبحث عن علاج، ومقاومة مشاعر اليأس وصدمات الواقع المحبط؛ فالكنعانية واجهت الصمت قائلة بلجاجة: «يا سيِّدُ، أَعِنِّي!» (متى١٥: ٢٥)، ويائيروس قاوم خبر الموت متمسكاً بوصية المسيح: «لا تَخَفْ، آمِنْ فَقَطْ» (مرقس٥: ٣٦). تُعلمنا هذه النماذج أن التربية الحقيقية هي يقظة والديّة مستمرة، وشجاعة في مواجهة الاضطرابات، وإيمان صلب يدفع الآباء ليكونوا طوق النجاة والمربّين الأوائل لأبنائهم.
لسنا ضدّ علم النفس، بل ضدّ إساءة استعماله. ولسنا ضدّ مراعاة الفروق الفردية والصعوبات النفسية، بل ضدّ تحويلها إلى مبرّرات دائمة لكلّ تقصير.
فالطفل يحتاج إلى من يفهمه، نعم؛ لكنّه يحتاج أيضًا إلى من يوجّهه، ويضع له الحدود، ويتابعه، ويعلّمه أنّ حقوقه لا تُسقط واجباته، وأنّ الصعوبة التي يواجهها تستدعي المساعدة، لا الاستسلام لها. لنقرأ ما يقوله سفر الأمثال: «مَنْ يَمْنَعُ عَصَاهُ يَمْقُتِ ابْنَهُ، وَمَنْ أَحَبَّهُ يَطْلُبُ لَهُ التَّأْدِيبَ» (أمثال١٣: ٢٤). طبعا لم نستعمل هذه الآية تشجيعا على الضّرب! إنّما العصا هي رمز لوضع الحدود التي لا يجب على الطفل تخطيها.
إنّ التربية الواعية لا تختار بين الفهم والمحاسبة، بل تجمع بينهما. وأمّا التنصّل من المسؤولية تحت غطاء المصطلحات العلمية، فلا يخدم الطفل، ولا ينصف المعلّم ولا المؤسّسات التربوية، ولا يبني إنسانًا قادرًا على العيش مع الآخرين.
