Avatar

فريق القسم العربي في وكالة زينيت العالمية يعمل في مناطق مختلفة من العالم لكي يوصل لكم صوت الكنيسة ووقع صدى الإنجيل الحي.

Articles par ZENIT Staff

أنطونيوس الكبير

بين الصّحراء والسّماء

بقلم الأب فرنسوا عقل

 

روما، الاثنين 18 يناير 2010 (zenit.org). – ننشر في ما يلي تأملاً عن حياة القديس انطونيوس الكبير، بعنوان: أنطونيوس الكبير ، بين الصّحراء والسّماء

 

أضواء على حياته

كوكب البرّيّة هو، بل رمز الزّهد والنّسك والتّقشّف والعبادة. زرع ورود الصّلاة في بيداء مصر، ففاحت نسّاكا ورهبانا وعبّادا في كلّ أنحاء الأرض. إنّه أب المتوحّدين والرّهبان الشّرقيّين. عرفه الشّرق بالقدّيس أنطونيوس الكبير، ودعاه الغربيّون بقدّيس الصّحراءSaint Antoine du désert ، أو أنطونيوس الأبّاتي ،Sant’Antonio Abbate ليميّزوه عن القدّيس أنطونيوس البدوانيّ   .Saint Antoine de Padoue

خَطَّ سيرته القدّيس أتناسيوس بطريرك الإسكندريّة، عام 357، أي بعد سنة من وفاته[1].

ولد أنطونيوس عام 251 في كومانوس Qumans، أي الفيّوم، في مصر الوسطى، قبيل انبلاج “العصر المسيحيّ” عبر اعتراف قسطنطين الملك بالمسيحيّة ديانة رسميّة للإمبراطوريّة الرّومانيّة، عام 313. يومها كان أنطونيوس قد بلغ الاثنين والسّتين من العمر، ووصل إلى منتصف طريق كمال الزّهد والقداسة.

بُعَيد فقدان والديه عام 270، وهو في العقد الثّاني من عمره، ترك الشّابُ الغنيُّ أنطونيوسُ ثروته الكبيرة، ووزّعها على الفقراء بعدما أعطى شقيقته الوحيدة حصّتها بحسب شرائع ذلك الزّمان، تلبية لنداء الرّبّ في قلبه: “واحدة تعوزك: بع كلّ ما لك، ووزّعه على الفقراء، فيكون لك كنز في السّموات، وتعال اتبعني” (لو 18: 22). مذ وقعت تلك الكلمات في أعماق نفسه، فرح فرحا عظيما لأنّه كان ذا إيمان كبير، فقاده الرّوح إلى البرّيّة نظير معلّمه الإلهيّ، حيث انفرد في صومعة على جبل بيسبيرسPispir  من جهة البحر الأحمر، متنّسكا، متقشّفا، زاهدا، مصلّيا صائما، متأملا بالكتاب المقدّس، متّحدا بإلهه يسوع… وقد حاربه الشّيطان مرارا كثيرة بأشكال شتّى، لكنّه كان شديد التّوكّل على الرّبّ المخلّص فلم يقع في حبائل إبليس؛ ولم يكن أحد ليعلم في البداية بمكان اعتزاله إلاّ متوحّد واحد كان يزوره بين الفينة والأخرى.

تبحّرت روح ذلك النّاسك في غور معرفة الله عبر حياة الزّهد والتصّوف، فشعّت أنوار فضائله من صمت صومعته، وصنع العليّ على يده العجائب والأشفية، حتّى طارت شهرة قداسته إلى ما بعد الصّحراء، فالتفّ حوله العديد من الّنسّاك المبتدئين، يتتلمذون عليه، ويحذون حذوه، منتهجين نهجه؛ فولد بذلك منهاج نسكيّ رهبانيّ فريد في قلب الكنيسة.

وبما أنّ السّبت للإنسان وليس الإنسان للسّبت، ولأنّ النّاسك يبتعد عن النّاس ليقرّبهم إلى الله، خرج أنطونيوس من صومعته للمرّة الأولى عام 311، إبّان اضطهاد الإمبراطور مكسيميانوس للمسيحيّين، ليعضد إخوته ويشجّع المقبلين منهم على شهادة الدّمّ. كما أنّه خرج للمرّة الثّانية عام 335، إلى الإسكندريّة ليدحض بدعة أريوس[2]، بطلب من البطريرك أتناسيوس نفسه.

ثمّ عاد إلى حياة النّسك متوحّدا بالقرب من جبل القلزم Qolzum؛ وكان قد سمح قبل موته بخمسة عشر عاما لاثنين من تلاميذه هما مكاريوس وآماتوس أن يعيشا معه حياة رهبانيّة كاملة ثمّ أنبأهما بتاريخ وفاته، لكنّه أوصاهما بعدم البوح بذلك، كي لا يأتي النّاس للتبرّك من جثمانه.

رقد أنطونيوس برائحة القداسة عام 356، فانتقل بذلك من شقاء الصّحراء إلى فرح السّماء، وكان له من العمر مائة سنة وخمس سنوات[3].

كرّمته الكنيسة اليونانيّة بدءا من القرن الخامس، ثمّ انتشرت مراسم إكرامه في الغرب إبّان القرون الوسطى، فأصبح قدّيس الشّعب الذي ركن إليه في حالات الأمراض القاتلة، كالطّاعون وغيره. وهكذا غدا أنطونيوس شفيع بلدان كثيرة ومدائن مختلفة وقرى عديدة.

ففي إيطاليا على سبيل المثال لا الحصر، ثمّة تقليد تبريك الحيوانات يوم عيده في السّابع عشر من شهر كانون الثّاني (ينّاير)، خصوصا في منطقة توسكانا، حيث يجمع المؤمنون حيواناتهم الدّاجنة في بعض السّاحات العامّة، كي يتلوا الكهنة عليها بعض صلوات التّبريك. ناهيك عن تقليد إشعال النّيران، أو ما يوافق ذلك من أمور مماثلة في أياّمنا.

رسائله

ثمّة رسائل عديدة منسوبة إلى القدّيس أنطونيوس يُعتقد أنّه وجّهها إلى تلاميذه[4]،  إلاّ أنّ سبعا منها فقط، قد تعتبر صحيحة حسب ما توصّل إليه بعض الباحثين[5] ولم يعد يتوفّر منها اليوم إلاّ رسالة واحدة شبه كاملة في اللغة القبطيّة. أمّا سائر الرّسائل فتوجد في اللاتينيّة والعربيّة والجورجيّة[6].

حياته الرّوحيّة ومميّزاتها

قال القدّيس أفرام السّريانيّ: “لا تنظر إلى الشَّعر الأبيض بل إلى تصرّف الإنسان وفكره”[7].

أمّا أنطونيوس فقد ارتكز تصرّفه وفكره الرّوحي، أوّلا وآخرا، على الكتاب المقدس الذي اعتبره بمثابة خبزه الرّوحيّ اليوميّ[8].  فلم يناقش نصوصه مع أحد، ولم يحلّل معانيه بحسب العقل والمنطق، ولم يُعنى بدراسة أسلوبه الأدبيّ، بل أصغى إلى صوت الله بين أسطره، وأمال كيانه إلى فعل مشيئته، واتّخذه شريعة نور وحياة؛ فجسّد مبادئه في العبادة والورع والصّلاة والتّأمّل والصّوم والتّقشّف والسّهر وقهر الجسد ومحاربة أهوائه وشهواته وعيش النّقاوة والعفّة. من أجل سبب واحد، هو حبّ الرّب يسوع[9]. أما قال طاغور: “العفّة غنى ينبع م
ن غزارة الحبّ”؟

انتهج الطّاعة للكتاب المقدّس شريعة له؛ وراح يعمل يوما بعد يوم على تنقية قلبه وذهنه وحواسه. فالحياة الروّحيّة بالنّسبة إليه، تقدّم دائم، وقلب غير منقسم بمشاعره ورغباته، بل طاهر وحرّ. وما كلّ ذلك بنظره إلاّ تحضير للكمال المسيحيّ الذي يتحقّق عن طريق حياة الزّهد والتّأمّل[10]؛ ينبغي إنهاك الجسد لتقوية الرّوح. إنّه الفكر، بل قل النّهج الأنطونيّ-الأفلاطونيّ؛ تحرير الرّوح من سجن الجسد ولكن باعتدال فَطِن[11]. إنّها فلسفة حياة روحيّة تطبيقيّة فَرِحة، تحيي النّفس وتدمّر الشّرّ. كما أنّ الفرح في الكتاب المقدّس من ثمار الرّوح القدس؛ وهو علامة توبة صادقة وصائبة[12].

إنّ أفهومة “الصّحراء” في المنطق الرّوحيّ النّسكيّ، هي  ذروة الاختبار الرّوحيّ، في عزلتها وجفافها وسعتها وظلامها، حيث يجب الاختيار بين أمرين نقيضين لا ثالث لهما: ألله أو الشّرير. إمّا اتّباع الله البطولّي حتّى حدود جنون القداسة، وإمّا النّظر إلى ملح هذا العالم ومجده، وترك محراث العبادة والشّهادة، في محاولة لمس شبح سعادة واهمة هي أقرب إلى سراب الحلم منه إلى حقيقة الواقع.

حياة أنطونيوس الرّوحيّة تأوين حرفيّ لكلام الرّبّ يسوع “لا تحاربوا الشّرير”. لذا اعتمد قدّيسنا منهاج اللامبالاة بتجارب إبليس عبر اللجوء الدّائم إلى الله، والتّسلّح بمنطق الهروب من العالم، ومن الأفكار الشّرّيرة، ومن المجد الباطل الذي تسبّبه شهرة العجائب والمعجزات؛ وراح يجنح إلى تأليه إنسانيّته الضّعيفة، انطلاقا من مبدأ سرّ التّجسّد الإلهيّ حيث صار الله إنسانا ليؤلّه الإنسان، أي ليقدّسه، بحسب لاهوت القدّيس أتناسيوس نفسه الذي اعتبر القداسة، عودة إلى الطّبيعة الأولى أي حالة النّقاوة التي كان يحظى بها إنسان ما قبل الخطيئة. فالإنسان المتّحد بالله بالنّسبة إلى نهج أنطونيوس الرّوحيّ، يطهّر العالم، وينتصر على الشّرّير فتخضع له إذّاك جميع الكائنات، ويكون مصيره الفرح الأبديّ في سماء الكمال والقداسة.

حياة الكاهن الروحية (4)

مذبح الفقراء

بقلم رئيس الأساقفة عصام يوحنا درويش*

استراليا، الجمعة 15 يناير 2010 (Zenit.org). –.- في أوائل السبعينات وفي بداية حياتي الكهنوتية كنت مرشدا للشبيبة الطالبة المسيحية وكنت ألتقي مع مجموعة منهم في نهاية كل أسبوع نتبادل خبرات الحياة ونحمل في صلاتنا ما عشناه خلال الأسبوع المنصرم. في أحد اللقاءات فاجأتني إحدى الشابات وطلبت مني أن تتحدث عن إيمانها وكانت دهشتي كبيرة جدا حين قالت إنها اكتشفت يسوع في وجه الفقراء وإنها زادت إيمانًا حين سمعت عظة كاهن رعيتها يتحدث عن التطويبات[1]. تعلمتُ من هذه الفتاة أن الحياة الروحية لا تقوم بدون بُعدٍ اجتماعي ملتزم بقضايا الناس وبخاصة الفقراء منهم، فسر المذبح، أي الليترجيا الإلهية، لا ينفصل أبدا عمّا بَعدَ الليتورجيا أي عملي ككاهن مع الناس أو خدمتي الأخ المحتاج.

إن حضور الكاهن في العالم تُترجمه محبّته للناس ولاسيّما الفقراء والمحتاجين وأن أفضل ثمرة يقطفها من صلاته وتناوله جسد المسيح ودمه هي أن يفتح قلبه لهم ويعمل معهم في بناء ملكوت المحبة، لأن المحبة وحدها قادرة على بناء ملكوت الله. بهذا المعنى يمكن أن أفهم ما جاء في رسالة يعقوب الرسول: “إنّ التَّدَيُّنَ الطَّاهِرَ النَّقِيَّ عِندَ اللهِ أبينا هو العِنايةُ بالأَيتامِ والأرامِلِ في شِدَّتِهِم وصيانَةُ الإنسانِ نفْسَهُ من دَنسِ العالَم”[2]. على الكاهن أن يُترجم عمق روحانيّته ومحبته للمسيح بمواقف عملية تلتزم خدمة الإنسان الفقير وتحريره من حالته ومساعدته بشتى الوسائل ليعيش كرامة إنسانّيته ويعطيه مركز الصدارة في عمله الرعوي “يا من أنتم خدام المسيح وأخوته والوارثون معه، أغيثوا المسيح، أطعموا المسيح، أكسوا المسيح، استقبلوا المسيح..”[3].

أكثر من مرة أعلن يسوع تضامنه مع الفقراء وأضفى عليهم أحلى الصفات فهم قديسو الله “طوبى لكم أيها الفقراء، فإنّ لكُم مَلكوتَ الله”[4] أما العهد القديم فقد تحدّث كثيرًا عن الفقراء البائسين “إنَّ الربّ قد عَزّى شَعبَهُ ورَحِمَ بائسيه”[5] “أنظرُ إلى المسكين المُنسَحقِ الروح”[6] . فإذا كان الفقير موضع اهتمام الله بهذا الكم من التوصيات، فكيف لا يكون من صُلبِ اهتمامات الكاهن وواجباته؟ إن يسوع يطلب من الكاهن أن يتحرّر من طغيان المادة وأن يختار ما يليق بدعوته “ما من خادم يستطيع أن يعملَ لِسيّدين.. فأنتم لا تستَطيعونَ أن تَعملوا لله وللمال”[7]. فالكاهن مدعو إلى أن يشاطر يسوع الفقر ومحبة الفقراء “اذهب فبع كلَّ شيء تملكُه وتصدَّق بثمنه على الفقراء، فيكونَ لك كنزٌ في السماء، وتعالَ فاتبعني”[8] .

في صيف عام 1984 التقيت في مدينة روما الأم تريزا التي قضت حياتها في خدمة الفقراء  والمحتاجين والمرضى، وفي حديث لها للكهنة سردت لنا هذه الحادثة: ” جلبوا لنا رجلا من الشارع مليئا بالقروح ولم يكن أحد يجرؤ أن يقترب منه بسبب مرضه ورائحته الكريهة، استقبلته بفرح كبير وبعد أن انتهيت من غسله وتنظيفه نظر إلي وسألني “لماذا فعلت هذا ولماذا تهتمين لأمري، لقد رماني الجميع وأنت أتيتِ إليّ ولمستني؟ “فقلت له: “لأني أحبك فأنت بالنسبة لي تمثّل يسوع في بؤسه، إنه يشركك اليوم في آلامه”. رفع عينيه وقال لي ثانية: ” أنت أيضا تشاركينني بؤسي وفقري” فقلت له: “لا، أنا أشاركك المحبة وأحب يسوع من خلالك” وفي نهاية حديثنا تمتم هذا الرجل وهو يتألم: “المجد ليسوع المسيح”.

من المهم جدا أن يتعاطف الكاهن مع الأخوات والأخوة الفقراء ولكن مطلوب منه أيضا أن يعتنق حياة بسيطة تدل على قناعاته بمشاركتهم ظروف حياتهم. فمن المؤكد أن يسوع عندما أعلن لتلاميذ يوحنا المعمدان أن “الفُقراء يُبَشَّرون”[9] كان يعني إبلاغهم خبرا مفرحا؛ وأية بشرى أفضل لهؤلاء من أن يترجم لهم عمليّا الكاهن، حامل البشرى والمؤتمن عليها، بأن الله يحبهم ويريد أن يُغيّر أوضاعهم ويحررهم من كلّ حرمان يعيشونه! من المؤكد أن الكاهن يعجز عن إعلان أي خبر مفرح لليتيم والفقير والمعوز ما لم يختبر هو هذه الأوضاع الاجتماعية الصعبة وما لم يورّط نفسه بالعيش مثل هؤلاء.

إن الوثيقة التي أصدرها البابا يوحنا بولس الثاني حول الاهتمام بالشأن الاجتماعي، تتطرق إلى هذا الموضوع المهم في حياة الكاهن ورسالته: “إن الاهتمام المجدي بالفقراء – وهم، بحسب الصيغة المعبرة جدًا، “فقراء الرب” – يجب أن يترجم على جميع المستويات، إلى أعمال محسوسة..”[10]. تبعا لذلك أتمنى أن تقوم في كل رعية لجان فعّالة تهتم بالمحتاجين والفقراء واليتامى والمسنين والأرامل لأنهم المذبح حيث يقدم الكاهن القرابين ولأنهم أيضًا صورة المسيح الذي ولد فقيرا وعاش مثل فقير ومات مثل فقير “تعلمونَ جُودَ رَبِّنا يسوعَ المسيح؛ كيفَ افتقرَ لأجلِكُم وهو الغنيُّ لِتَغتَنوا بِفَقرِه”[11]. لقد وضع الأب أنطوان شفرييه قواعد ثمينة للكاهن ليعيش الفقر: “نتخلّى عن خيرات الأرض، نكتفي بالضروري، نعطي كل من يطلب، لا نتدخل في الأمور الزمنية، لا نطلب شيئا من أحد، لا نهتم بالمستقبل ونتكل على الله وحده”[12].

بعماده ينتمي الكاهن إلى كنيسة الله وبرسامته كاهنا ينتمي إلى كنيسة الفقراء فمثلما يتلهّف ليسمع كلمة الله ويتأمل بها هكذا هو مدعو ليصغي إلى أصوات الفقراء والصغار والمتواضعين، لأنه بدونهم لا يستطيع الاحتفال بليتورجية الله و
لا بكسر الخبز.