لماذا نسمعُ يسوع يقول لنا في الإنجيل ، إنّ أفكارنا ليست أفكاره . فأفكاره هي أفكار الله ، لا البشر . ونحنُ ، غالبًا ما ، أفكارنا تخالف أفكار الله كبطرس ! فنحنُ ، أحيانا كثيرة ، لا ندرك ما يريد يسوع منّا.. نتخبّط هنا وهناك في معرفة سرّ بنوّته الحقيقيّة . وربمّا يصابُ الكثيرين بــ " الشكّ " ، لقد دوّخنا وحيّرنا يسوع معه فعلا

نحنُ لسنا متعوّدون على ما كشفه لنا يسوع عن الله المختلف ؛ إنه كشف َ الجديد ، كشف بصورة ٍمختلفة لم نعرفها أبدًا ، ولم تكن في حسباننا . لإننا متمسّكين     

بتصوّراتنا القديمة المستهكلة عنه ، يقولُ يسوع لنا ، ولو انه لا وجود لنصّ صريح بما قاله ، لكننا ومن خلال كلماته وأفعاله نستشفّ ذلك  : البنوّة ستعلّمك

فكلّ كلامنا عن يسوع ، اجتماعي ثقافيّ . يسوع قبلَ القيامة شيء ، وبعد القيامة شيءٌ آخر .. الرسل كانوا مع يسوع الأرضيّ ، عاشوا معه ، وفي أحيان كثيرة ، لم يدركوه ولم يفهموا ما أراده وكانت صعبة على عقولهم ، كلماته وعلاماته .  وكانت تدور حوله أفكار وتصوّرات وتخيّلات متنوّعة ، كُشفت بعد قيامته

نعود قليلا لسرّ العلاقة والترابط بين الأمّ وطفلها ؛ وكيف يمكنُ أن نترجمها لواقع العلاقة التي هي بين الآب والإبن (الله والإنسان ). كما نعرف ، في العهد القديم ، أنّ الخروج- العبور – الفصح ، هو الحدث الأهمّ في تاريخ شعب العهد القديم . ما فتئ يتذكّره ويعيشه من خلال تقلّبات التاريخ ، وتعدّد خياناته ودعوات انبيائه إلى التوبة . ومن خلال حثيث ومستمرّ لتجديد العهد . لنقرأ ما يقوله العهد القديم في : هوشع 11 : 8 ، ارميا 31 : 20

لتقصّي طبيعة الله في عهده الأوّل ، نكتشف كلمة مهمّة جدّا ، هي كلمة : “ حيسيد " العبريّة . وتقابلها بالعربيّة " ألرحمة " ، أي أنّ الله رؤوفٌ ، والإنسان متّجه إليه متعاطف معه تعاطفا أبديّا : اشعيا 54 : 7 ،  خروج 34 : 6 و7  ، تثنية 7 : 9 – 12 . ليست رحمة الله ( الرحم الإلهيّ ) ، صفة من صفاته ، إنّه الرحوم الرؤوف بكلّ معنى الكلمة ، إنّها  مستقيمة بلا شائبة

الأمّ ، رحمتها وحنانها على طفلها ، مستقيمة . لهذا ، يستطيعُ الطفل أن ينامَ مطمئنّا في حضنها ، ويثق ثقة كاملة بها . أي أن يؤمن بها . أقرأ ما يقوله الكتاب عن الله في :  هوشع 11 : 4 ، 2 : 16 ، ارميا 31 : 3 . لنراجع أيضا : نشيد الأناشيد . كلّ هذه النصوص ، تكشف عطف الله وتُظهر قوّته 

الله الآب ؛ معاشرة ، ألفة ، صداقة . طعام يسوع هو أن يعمل بمشيئة أبيه ويأكلها. فطعامُ الإبن هي إرادة الآب . فالإبن ليس هذا الذي يرضَخ لإرادة الله قسرًا ، بل إنه يعيش " خبرة " الآب ذاتها ، ويكونُ هو إرادة الله على الارض (قائم مقامه) . ارادة الله ، هي أن نكون مثل الله محبّين مجّانا ، " بلاش "

الآبُ يسيرُ معنا دائمًا في دروب حياتنا ، محرّرا ، مخلّصا . فلقد أولَدَ الله الآب شعبه من خلال عبوره من رحم الماء ، فالحدّ الفاصل بين حافّة الموت والحياة : هي الولادة الجديدة : الخلق

كشفَ يسوع الآب ، للتلاميذ ولنا ؛ هو أنه ، بالموت والقيامة ،  خلقنا من جديد ، فكشف لنا صورة لم نكن نتوقّعها قطّ . صورة الآب الخلاّقة ، لكنّه لا يعملُ وحده في زاوية من الكون ، يدبّر ويسجّل على الورق ، بل معنا ومن خلالنا . إنه يكشف عن ذاته ، من خلال سرّ البنوّة والألم ، والفشل الظاهر للعالم !  لكنه فشلٌ خلاّق وبنّاء ، إنه يكشف عن ذاته من خلال ضعف الصليبْ

 كما تنظر الأمّ لطفلها لتخلقه .. هكذا الآب ، يخلقنا بنظرة ٍ وإهتمام وحنان ورحمة ومحبّة . لكن ، لا يمكننا أن نشبّه الأمر إلا عن طريق المقايسة ..! فرحمة الله 

أكبر من مليون رحمة العالم .. وعلاقة يسوع بالآب ، أكبر من علاقة الأمّ بطفلها . إن سرّ يسوع وبنوّته للآب : إنه الشعور الحميم .. وشعوره ليس وهمًا وهلوسات ، بل حقيقة وواقع انعكسا في حياته وتعاملاته

كشفُ يسوع للآبوّة ، لا يشبه كشفَ العهد القديم للأبوّة التي هي ، غالبًا ما ، على ثلاث أن أشكال

الخالق = المُنجب

الرازق = المُعيل

مانحُ الوصايا = المربّي – المعلّم

مع يسوع ، هذه الأشكال الـثلاثة ليس موجودة . فيسوع كشف لنا نوع رابع ، لكنّه صعب ... لإنه ينكشفُ من خلال : الصليب . والحريّة والمسؤوليّة يلعبان الدور المهمّ ، ولا مجال للتبعيّة ولا للكسل ولا للتراخي ، ولا للإتكاليّة ، ولا للوسواسيّة .. هناكَ عزلة أبناء الله ، التي هي : مسؤوليّة وحريّة وأيضا ، ألم . فإن كان أبينا الأرضيّ هو خلفنا ، فالله أبينا السماويّ هو " أمامنا " ، إنه مستقبلنا . يشرح يسوع لنا سرّ هذه البنوّة والأبوّة ، بإنها ولادة من الآب ، لكنّها تتمّ تدريجيّا ؛ في مراحل الحياة . ويصوّرها يسوع ، كعودة إلى طفولة وكدخول في خصوصيّة بنوّة جديدة كلّها دهشة وتعجّب ومفاجآت . ويقولُ يسوع لنا : من رآني فقد رأى الآب .. يوحنا 15 : 9 – 10

ندوة "بمناسبة الأربعين لرحيل السيد هاني فحص" كلمات وإعلان عن صلاة مشتركة ستقام في ذكرى رحيله

(في كنيسة مار الياس انطلياس الكبيرة نهار الجمعة 24 تشرين الأول 2014 الساعة السابعة مساءً و”الدعوة عامة”) في المركز الكاثوليكي للإعلام، 16 تشرين الأول 2014، الساعة الثانية عشرة ظهراً