سؤال: بعد مشاهدة درب الصليب في كوباكابانا، اسأل نفسي: هل يعبد المسيحيون خشب الصليب؟ أليس ذلك رجوع إلى الوثنية؟
سأجيب منطلقًا من مَثَل: لنتصور رجلاً يهدي امرأته خاتمًا ذهبيًا مع جوهرة. من الطبيعي أن يكون تعلق وتقدير المرأة لهذا الخاتم بقدر حبها لرجلها وحدسها لحبه.
مثلٌ آخر: لنتصور أبًا كتب رسالة لابنه الصغير يخبره فيها عن معنى هبة الأعضاء التي قام بها لإنقاظ حياته عندما كان طفلاً. بكل تأكيد سيحفظ هذا الابن الرسالة بشكل خاص وسيكرمها وربما يقبلها كل مرة يتذكر هبة أبيه.
والسؤال: هل هذان الشخصان يحبان الحجر (مهما كان ثمينًا) أو الورقة؟
كلا وألف كلا. الخاتم والرسالة يحملان القلب والفكر بشكل فوري إلى الحب الكامن وراءهما.
وهذا ما يجري مع الصليب. في الصليب لا نعبد الخشب بل الحب. الصليب يحمل قلبنا وفكرنا إلى حب الرب يسوع الفائق: "ما من حب أعظم من أن يبذل المرء نفسه لأجل أحبائه".
ولنذكر ما يقوله أغسطينوس: "في الصليب، نحن لا نسجد للألم، بل نسجد للحب".
هذا وقد أعاد البابا فرنسيس إلى ذاكرتنا ما قاله يوحنا بولس الثاني عن الصليب في أول لقاء للشبيبة في عام 1984: "إحملوا الصليب في العالم، علامة لحب يسوع للبشرية".
كثرت في الآونة الأخيرة التحليلات والتساؤلات والمخاوف حول واقع ومستقبل العرب المسيحيين-أو مسيحيي الشرق الأوسط-الذين لهم في هذه المنطقة تاريخ وحضور وتعاون وحوار وتأصل في الحضارة. الا أن التناقص العددي قد أفرز خوفاً ظاهراً على المستقبل، فكيف ننظر إلى الأمور ؟
بدون شك انّ مسيحيي هذه المنطقة هم سكان ومواطنون أصلاء، وما كانوا أبداً ضيوفاً طارئين على هذه الجغرافية، وتشهد على ذلك مآثرهم وتراثهم الأدبي والثقافي والعلمي المتميّز. ولما كانوا مواطنين بهذه التاريخية والتأصل فهم كذلك اليوم مواطنون يعانون من ذات الآلام والمصاعب التي تجتاح منطقتهم العربية، التائقة الى بناء مجتمعات حديثة تكون ديمقراطية في واقعها كما في خطابات حكامها. وتعتبر هذه الفترة مخاضاً عسيراً فيه من الآلام والأوجاع والدماء الكثير الكثير، وما آلام مسيحيّي الشرق إلا لكونهم مواطنين في منطقة تغلي وفي بلدان غاب فيها الأمن، واذا غاب هذا، أصبح المجتمع بأطيافه كافة مهدّداً.
الا انّ لهذه الآلام المشتركة مع باقي المواطنين شقّا ونوعا آخرين: انّها آلام الاختلاف الديني الذي أمسى في بعض البلدان مغلفاً بنموّ الحركات التطرفية والإلغائية وأحادية التفكير الذي قاد الى التكفير والى النظر الى الآخر شيطاناً رجيماً. من هنا كان استهداف العديد من الكنائس وقتل العديد من رجال الدين وآخرهم الكاهن السوري فرانسوا مراد، وخطف العديد من كبار رؤساء الكنائس وما زال مصيرهم مجهولاً منذ أكثر من ثلاثة أشهر. وهنا نستطيع القول بأنّ نموّ التعصّب وتوجهات الالغاء هي أكبر تحدٍ يواجه العرب المسيحيين، كما يواجه غيرهم من مكوّنات المجتمع التائقة الى العدالة والسلام والتحديث.
في العقد الماضي، أثرت الاحداث العراقية تأثيراً واضحاً على أعداد المسيحيين في العراق. وقد هاجر العديد منهم عبر الاردن الذي امضوا فيه بضع سنوات من الانتظار. وكان بقاؤهم في الأردن، على الأقل، بقاء لهم في منطقتهم العربية وفي الشرق الأوسط. وكم كنت أتألم عند خروج عائلات عراقية من الأردن، ومغادرتها الى بلدان العالم البعيدة بحثاً عن أمن وأمان. أساسا، كان مؤلماً خروجهم من بلدهم الأصلي العراق، إلا انّ الألم الأكبر كان خروجهم من الأردن لأنّه يمثل خروجاً من شرق أوسط عاش على الدوام ألفة ومحبة وتلاحماً وحواراً.
وما ضاعف الامور تعقيدا هو الحالة السورية التي جعلت ملايين البشر يخرجون قسرياً من بلدهم الأصلي، وقد أبدى الأردن كعادته حضناً دافئاً وذراعين مفتوحتين لاستقبال الشقيق المتألم، وتشير الاحصائيات شبه الدقيقة ( لأنّ الدقة التامة ستتوضّح عندما تهدأ الأمور ) بأنّ من بين أفواج اللاجئين هنالك على وجه التقريب مليون مسيحي سوري قد خرجوا من بلدهم سوريا التي كانت من أكثر الدول احتراماً للعيش المشترك وحريّة العبادة.
ليس من السهل فصل العرب المسيحيين عن غيرهم من المواطنين، الا انّ تناقصهم المتزايد سيجعل الشرق كئيباً قاتماً. فقضيّة أمانهم لا تخصّهم لوحدهم، كما انّ قضيّة استمراريّتهم لا تعتمد عليهم وحدهم.
Abouna.org@gmail.com
بعد الاستقبال الحار على طول شاطئ كوباكبانا والتحية التي وجهها خمسة شباب يمثلون القارات الخمس، وقراءة نص إنجيل تجلّي يسوع لتلاميذه بحسب القديس لوقا، ألقى قداسة البابا فرنسيس كلمة استهلها بالقول:”حسن لنا أن نكون ها هنا” هكذا صرخ بطرس بعد أن رأى الرب يسوع متجلّيًا، متّشحًا بالمجد. هل نريد نحن أيضًا أن نردد هذه الكلمات؟ هذا ما أعتقده، لأنه حسن لنا جميعًا أن نجتمع اليوم معًا حول يسوع! فهو الذي يستقبلنا ويحضر بيننا هنا في ريو. لكننا سمعنا أيضًا في الإنجيل كلمات الله الآب: “هذا هو ابني الحبيب فله اسمعوا!” (لو 9، 35). لذا فإن كان يسوع من جهة هو الذي يستقبلنا فمن جهة أخرى نحن أيضًا نريد أن نستقبله ونصغي إلى كلمته لأنه بقبولنا ليسوع المسيح، الكلمة المتجسّد، يحولنا الروح القدس وينير مسيرتنا نحو المستقبل وينمي فينا أجنحة الرجاء لنسير بفرح.
قال يسوع لمريم بالتحديد: “لا تمسكي بي” وليس “لا تلمسيني”. فالنص اليوناني الأصلي يقول: ” mē mou haptou “:والذي يترجم بهذا الشكل “لا تردعيني” أو “لا توقفيني”.