كان للنسب شأن كبير في بُنية شعب التوراة ، شعب " العهد القديم " ، القائمة على أسباطه الإثني عشر  لما كان لها من حقوق دينيّة ومدنيّة ، وعليه من واجبات . لذلك بدأ متّى البشير إنجيله ب " نسب يسوع " ، مكتفياً بتاريخ إسرائيل ، إعداداً لميلاده.فيسوع هو ابن الملك داود ووارث عرشه ، وهو ابن ابراهيم ، ابن الوعد ، وبه تتبارك جميع الشعوب . أمّا لوقا الإنجيلي فيشمل في نسب يسوع البشريّة جمعاء حتّى آدم . لكن متّى يذكر ثلاثة نساء أجنبيات ، في نسب يسوع هنّ : تامار الكنعانية ( متّى ١ : ٣ )  ، وراحاب من أريحا ( متّى ١ : ٥ ) ، وراعوت المؤابيّة ( متّى ١ : ٥ ) ،  أرادهنّ الله أُمهات في شعبه المختار ،  ليدلّ على أن نسب يسوع غير محصور بالشعب اليهوديّ وحده  فقط  ، ورسالته غير مقتصرة عليه فحسب . قسّم متى نسب يسوع ثلاثة أقسام ، وضمّن كُلاًّ منها  ١٤ اسماً أو جيلاً ، مع إهمال أسماء وزيادة أخرى  ، ليحصل على العدد ١٤ ( ٧ ضرب ٢ )  ثلاث مرات ، إشارةً إلى ستة أسابيع ، كانت في الكتب الرؤيٓويّة ترمز إلى مجيء المسيح في ملء الزمن ،" فلمّا تمّ الزّٓمان ، أرسلٓ اللهُ ابنٓه مولوداً لإمرأةٍ " ( غلاطية ٤ : ٤ ) ، أي في  الأسبوع السابع الأخير النهائي من تاريخ البشر .أخيراً يُشدّد متى على بتولية مريم العذراء ، لأنه منها لا من يوسُف ، وُلِدٓ يسوع الذي يُدعى المسيح " .

-

" حدث زيارة العذراء لإليصابات " ( لوقا ١ : ٣٩ – ٤٥ ).

في حدث بشارة العذراء مريم نقلنا الإنجيلي لوقا من زكريّا في هيكل اورشليم ، إلى مريم في ناصرة الجليل ، فإذا هي هيكل الله الحقيقيّ الجديد ! وفي حدث الزيارة ، ينقل الإنجيليّ  لوقا مريم من الناصرة  إلى  مدينة  في  يهوذا قريبة من اورشليم ، إلى بيت زكريّا ، فإذا هي :  ” تابوت العهد ” ، عهد الله الحقيقيّ الجديد .يربط القديس  لوقا الإنجيلي  حدث  البشارة  ربطاً واضحاً  بحدث  نقل  ” تابوت العهد ”  إلى اورشليم ،  على يد الملك  داؤد ( ٢ صموئيل ٦ : ١ – ١٩   ) . من حدث البشارة نستنتج ما يلي :أولاً : مبادرة مريم بزيارتها لنسيبتها اليصابات ، هي أشبه بمبادرة داؤد بنقل تابوت العهد إلى اورشليم .ثانياً : ارتكاض الجنين ” يوحنا ” هو أشبه برقص الملك داؤد وفرحه أمام تابوت العهد. ثالثاً : جوّ البركة الذي غمر بيت زكريّا ، وبقاء مريم فيه نحو ” ثلاثة أشهر ” ، هو أشبه بالبركة التي غمرت بيت عوبيد ، عندما استضاف تابوت العهد ثلاثة أشهر . رابعاً : كلمة اليصابات التي قالتها لمريم : ” من أين لي أن تأتي إليّ أمّ ربّي ؟ ” هي أشبه بكلمة الملك داؤد : ” كيف ينزل تابوت الرب عندي ” . 

" العذراء مريم وتابوت العهد "

الرابطُ الكتابيّ بين العذراء مريم وتابوت العهد يُدخلنا في المعنى اللاهوتي لحدث زيارة مريم لاليصابات : ترمز اليصابات العاقر إلى الإنسانية القديمة في علاقتها بالإنسانية الجديدة التي ترمز إليها مريم . إذاً فالعهد الجديد هو الذي يُعطي القديم كلّ معناه . ثم ّ إن الروح القدس هو القوّة  الفاعلة في مريم واليصابات ، وهو الذي حوّل اللقاء البشريّ إلى تسبيح وشكران وابتهال وتسليم الذّات لعمل الله الخلاصيّ . وهكذا تسبق زيارةُ  العذراء لاليصابات ، زيارة ابن الله المُتجسّد فيها ، ليزور أرضنا ، ويجدّد خلقنا بسرّ ميلاده المُخلّص !