تابع الأب الأقدس يقول: بقراءتنا للعهد القديم يمكننا أن نرى كيف أن تدخلات الله في تاريخ الشعب الذي اختاره وأقام عهدا معه لم تذهب في طي النسيان بل أصبحت "تذكارا" وتشكل "تاريخا للخلاص" حافظ عليه الشعب الإسرائيلي حيا في ذهنه من خلال الاحتفال بأحداث الخلاص. ففي سفر الخروج، طلب الرب من موسى أن يحتفل بحدث التحرير من عبودية مصر، الفصح اليهودي، قائلا: "ويكونُ هذا اليوم لكم ذكرى، فتعيّدونه، عيدا للربِّ تعيدونه مدى أجيالكم فريضة أبدية" (خروج 12، 14). وفي كتاب تثنية الاشتراع، يتوجه موسى للشعب قائلا: "إنما تنبه واحفظ نفسك جداً، كيلا تنسى الأمور التي رأتها عيناك ولا تبتعد عن قلبك كل أيام حياتك، بل علمها بنيك وبني بنيك" (تث 4، 9)، ويقول لنا أيضا: "تنبه واحفظ نفسك جداً، كيلا تنسى الأمور التي صنعها الله لنا". فالإيمان يتغذى من اكتشاف وذكرى الله الأمين الذي يقود التاريخ ويشكل الأساس الثابت والأمين الذي تقوم عليه حياتنا. وأضاف البابا يقول إن نشيد التعظيم الذي رفعته العذراء مريم لله، هو مثال سامي لتاريخ الخلاص هذا، ولهذه الذكرى التي تحافظ على عمل الله حاضرا. فمريم تشيد بعمل الله الرحيم في مسيرة شعبه، وأمانته لمواعيد العهد الذي قطعه لإبراهيم ونسله، وذلك في ذكرى حية للحضور الإلهي.

تابع الحبر الأعظم يقول إن حدث "الخروج" يشكل بالنسبة لشعب إسرائيل، الحدث التاريخي الجوهري الذي من خلاله يُظهر الله عمله القدير. فالله يحرر الإسرائيليين من عبودية مصر ليعودوا إلى أرض الميعاد ويعبدوه إلهاً أوحداً وحقيقيا، وشعب إسرائيل لا يبدأ المسيرة ليكون شعبا كالآخرين، بل ليخدم الله بالعبادة والحياة وليشهد له بين الشعوب الأخرى.

أضاف البابا يقول إن الله يُظهر نفسه ليس فقط من خلال عمل الخلق الأساسي، بل بدخوله في تاريخنا، تاريخ شعب صغير لم يكن الأكبر عددا ولا الأقوى. وظهور الله هذا في التاريخ يبلغ ذروته بيسوع المسيح: الله، الكلمة الخالق تجسد بيسوع وأظهر وجه الله الحقيقي. بيسوع يتحقق كل وعد، وبه يبلغ ذروته تاريخ الله مع البشرية. وأضاف البابا يقول إن "الله قد دعا الإنسان منذ البدء لشركة حميمة معه، ولما فقد الإنسان مودته بعصيانه، لم يدعه الله في قبضة الموت، بل بادر بني البشر برحمته وكثيرا ما قطع لهم العهود" (الصلاة الافخارستية الرابعة).

وختم الأب الأقدس تعليمه الأسبوعي بالقول لقد توقفت عند ذكرى عمل الله في تاريخ الإنسان، لإظهار مراحل مشروع الحب الكبير الذي يظهر لنا من خلال العهدين القديم والجديد: مشروع خلاص أوحد للبشرية بأسرها، ظهر تدريجيا وتحقق بقوة الله. وأضاف نحن في زمن المجيء الليتورجي والذي يحضرنا للميلاد المجيد. وكما نعلم جيدا إن كلمة "مجيء" تعني "قدوم" أو "حضور". وقد كانت تستعمل قديما للدلالة على زيارة الملك أو الإمبراطور لمقاطعة ما، أما لنا نحن المسيحيين فهي دلالة على واقع رائع ومؤثر: الله قد ترك سماءه وانحنى على الإنسان، وأقام عهداً معه ودخل في تاريخ شعب. هو الملك الذي نزل في هذه المقاطعة الفقيرة: الأرض، وزارنا آخذا جسدنا وصار إنسانا مثلنا. يدعونا زمن المجيء لنسير مجددا درب هذا الحضور، ويذكرنا دائما ومجددا أن الله لم يتركنا وحدنا، بل يأتي للقائنا بطرق مختلفة. ونحن بإيماننا ورجائنا ومحبتنا مدعوون يوميا للتنبه لهذا الحضور والشهادة له، ولجعل النور الذي أضاء مغارة بيت لحم يسطع في حياتنا.

البابا بندكتس السادس عشر يزور بيتا للمسنين في روما: إنكم غنى للمجتمع

روما، الثلاثاء 13 نوفمبر 2012 (ZENIT.org). – نقلاً عن إذاعة الفاتيكان – قام البابا بندكتس السادس عشر صباح الاثنين بزيارة بيت للمنسين في روما تديره جماعة سانت إيجيديو، ووجه كلمة ضمنها تحية لرئيسها ماركو إيمبالياتسو، ولمؤسسها أندريا ريكاردي، ولجميع الحاضرين وأصدقاء جماعة سانت إيجيديو، خاصا بالذكر رئيس المجلس البابوي للعائلة المطران فينشينسو باليا. قال البابا إنه يدرك جيدا المصاعب والمشاكل المرتبطة بهذا العمر، وقد ازدادت خطورة لدى كثيرين بسبب الأزمة الاقتصادية، وأضاف أنه في بعض الأحيان، وفي عمر معيّن، نعود للماضي، ونحنّ لفترة الشباب والتفكير بمشاريع مستقبلية، وهكذا، يحجب الحزن نظرنا في بعض الأحيان، معتبرين مرحلة الحياة هذه وكأنها زمن نهاية. وتابع بندكتس السادس عشر أنه يريد القول باقتناع عميق وبالرغم من إدراكه مصاعب هذا العمر: كم جميل أن نكون مسنّين! وأضاف أنه ينبغي اكتشاف حضور الرب وبركته في كل عمر، ولا ينبغي أن نكون سجناء الحزن! لقد نلنا عطية حياة طويلة ـ قال البابا ـ والحياة جميلة في عمرنا أيضا رغم بعض المحدودية، وينبغي أن نشعر دوما بفرح محبة الله لنا، بعيدا عن الحزن. كما وذكّر بأن طول العمر في الكتاب المقدس يُعتبر بركة من عند الله، وشدد على ضرورة اعتبار هذه البركة عطية ينبغي تقديرها على الدوام، وأضاف: مع ذلك، وفي غالب الأحيان، يعتبر المجتمع الذي يهيمن عليه منطق المنفعية بأن المسنين عديمو الجدوى، وأشار إلى ألم مَن يشعر بأنه مهمّش، يعيش بعيدا عن منزله أم في وحدة، وأكد الأب الأقدس أنه يُحكم أيضا على نوعية مجتمع من خلال طريقة معاملة المسنين والمكان المحفوظ لهم وأضاف: من يقبل المسنين يقبل الحياة! كما وتحدث البابا عن اهتمام جماعة سانت إيجيديو، ومنذ تأسيسها، بمساعدة المسنين في روما والعالم، وقال: من خلال التضامن بين الشباب والمسنين، ساعدت الجماعة أيضا في إفهام كيف أن الكنيسة هي عائلة كل الأجيال حيث لا يسود منطق المنفعية بل المجانية والمحبة. وإذ ذكّر أيضا بأن زيارته اليوم بيت المسنين ترتبط بالسنة الأوروبية للشيخوخة الفاعلة والتضامن بين الأجيال، أكد البابا بندكتس السادس عشر أن المسنين هم قيمة للمجتمع، وللشباب على وجه الخصوص، وقال: ليس هناك من نمو إنساني حقيقي وتربية بدون لقاء مثمر مع المسنين، لأن حياتهم هي ككتاب مفتوح تستطيع أن تجد فيه الأجيال الشابة إرشادات ثمينة لمسيرة الحياة… وأضاف الأب الأقدس: لا يستيطع أحد أن يعيش وحده وبلا مساعدة، ولفت إلى أن الذين يقدمون المساعدة في بيت المسنين هذا، ومَن يستفيدون منها يشكلون عائلة واحدة، تنعشها المحبة، وتابع قائلا للمسنين: تبدو الأيام في بعض الأحيان طويلة، مع مصاعب ومع التزامات ولقاءات قليلة، لا تفقدوا الشجاعة أبدا: إنكم غنى للمجتمع حتى في الألم والمرض. وإن مرحلة الحياة هذه عطية لنعمق خلالها أيضا العلاقة مع الله. وأشار البابا بندكتس السادس عشر في ختام كلمته في بيت المسنين في روما إلى المثل الساطع للبابا للطوباوي يوحنا بولس الثاني، وقال: لا تنسوا أن الصلاة مورد ثمين، ودعا المسنين لرفع الصلاة من أجل الكنيسة والفقراء، ومن أجله أيضا، وكي يتوقف العنف في العالم، وأضاف: إن البابا يحبّكم ويعتمد عليكم! اشعروا دائما بمحبة الله واحملوا لمجتمع اليوم المطبوع غالبا بالفردانية شعاعا من محبة الله.

في مقابلته العامة مع المؤمنين البابا بندكتس السادس عشر يتحدث عن توق الإنسان إلى الله

الفاتيكان، الأربعاء 7 نوفمبر 2012 (ZENIT.org). – نقلاً عن إذاعة الفاتيكان – أجرى البابا بندكتس السادس عشر صباح اليوم الأربعاء مقابلته العامة مع المؤمنين في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان، واستهل تعليمه الأسبوعي بالقول إن مسيرة التأمل التي نقوم بها معا في سنة الإيمان هذه تقودنا للتعمق بناحية رائعة من الخبرة الإنسانية والمسيحية: الإنسان يحمل في ذاته رغبة تجتذبه نحو الله. وبهذا الصدد يؤكِّدالتعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة: “إنّ التوق إلى الله مكتوب في قلب الإنسان، لأنّ الإنسان خلقهُ الله وهو لله، والله لا ينفك يجذب الإنسان إليه، فبالله وحده يجد الإنسان الحقيقة والسعادة التي يبحث عنها بلا توقف” (عدد 27).