"كفروا عن ذنوب الاعتداء التي سببت الكثير من الأذى"

حاضرة الفاتيكان، الأربعاء 24 مارس 2010 (Zenit.org) – ننشر في ما يلي القسم الثالث من الرسالة الرعوية التي وجهها بندكتس السادس عشر لكاثوليك إيرلندا، ونشرها الكرسي الرسولي نهار السبت الفائت.

13. أيها الإخوة والأخوات الأحباء في المسيح، بسبب قلقي عليكم جميعاً في هذه الأوقات الأليمة التي ظهر فيها ضعف الحالة البشرية بشكل فاضح، رغبت في تقديم كلمات التشجيع والدعم لكم. أرجو أن تتلقوها كدليل على قربي الروحي منكم وعلى ثقتي بقدرتكم على مواجهة هذه التحديات الراهنة من خلال استقاء الإلهام والقوة المتجددين من التقاليد الإيرلندية النبيلة المتجسدة بالأمانة للإنجيل، والمثابرة في الإيمان، والثبات في السعي من أجل القداسة. بالتضامن معكم جميعاً، أصلي بصدق لكيما، بنعمة الله، تشفى الجراح التي أصابت الأفراد والعائلات، وتشهد الكنيسة في إيرلندا زمن ولادة جديدة وتجدد روحي.

14. أرغب الآن في اقتراح بعض المبادرات لمعالجة هذا الوضع

في ختام لقائي مع أساقفة إيرلندا، طلبت منهم أن يكون الصوم الكبير في هذه السنة فترة صلاة من أجل أن يحل فيض الرحمة الإلهية ومواهب القداسة والقوة المنبثقة من الروح القدس على الكنيسة في بلادكم. أدعوكم الآن إلى تكريس أعمالكم التكفيرية أيام الجمعة على هذه النية، وذلك لمدة سنة كاملة ابتداءً من الآن وحتى فصح 2011. كما أطلب منكم أن تقدموا صومكم وصلاتكم وقراءاتكم الإنجيلية وأعمالكم الرحيمة من أجل نيل نعمة الشفاء والتجدد للكنيسة في إيرلندا. كذلك، أشجعكم على إعادة اكتشاف سر المصالحة، والاستفادة من قدرة نعمته المبدِّلة.

لا بد من إيلاء اهتمام خاص بالسجود القرباني، ولا بد من تكريس كنائس أو كابيلات لهذه الغاية في كل أبرشية. أطلب من الرعايا والإكليريكيات والأديار تنظيم فترات للسجود القرباني لكيما يتمكن الجميع من المشاركة فيها. من خلال الصلاة الحارة أمام وجود الرب الفعلي، تستطيعون التكفير عن ذنوب الاعتداء التي سببت الكثير من الأذى، وطلب نعمة القوة المتجددة وحس أعمق بالرسالة من قبل جميع الأساقفة والكهنة والرهبان والعلمانيين.

أنا واثق بأن هذا البرنامج سيؤدي إلى نهضة الكنيسة في إيرلندا في كمال حقيقة الله، لأنها الحقيقة التي تحررنا (يو 8، 32).

إضافة إلى ذلك، بعد مراجعة هذه المسألة والصلاة من أجلها، أنوي القيام بزيارة رسولية إلى بعض الأبرشيات في إيرلندا، وإلى بعض الإكليريكيات والرهبنات. وستجري الترتيبات لهذه الزيارة التي من شأنها مساعدة الكنيسة المحلية على درب تجددها، بالتعاون مع المديريات المختصة في الكوريا الرومانية ومجلس أساقفة إيرلندا. وستعلن التفاصيل في الوقت المناسب.

كما أقترح أن تعقد ندوة وطنية لجميع الأساقفة والكهنة والرهبان. وبفضل معرفة الواعظين الخبراء ومنظمي الرياضات الروحية القادمين من إيرلندا ومن أماكن أخرى، ومن خلال مراجعة الوثائق المجمعية، وطقوس السيامة والمجاهرة الليتورجية، والتعاليم الحبرية الأخيرة، أرجو أن تتوصلوا إلى تقدير دعواتكم بشكل أكبر، وإلى إعادة اكتشاف جذور إيمانكم بيسوع المسيح، والارتواء من ينابيع الماء الحي التي يقدمها لكم من خلال كنيسته.

في سنة الكهنة هذه، أقترح عليكم بخاصة مثال القديس جان ماري فياني الذي فهم سر الكهنوت بطريقة غنية جداً. فكتب: "الكاهن يحمل مفتاح كنوز السماوات: هو الذي يفتح الباب؛ وهو وكيل الرب الصالح؛ ومدير خيراته". لقد فهم خوري آرس عظمة البركة الممنوحة لجماعة ما عندما تحظى بخدمة كاهن صالح وتقي: "إن الراعي الصالح، الراعي المطابق لقلب الله، هو أعظم كنز يعطيه الرب الصالح لرعية ما، وإحدى أثمن مواهب الرحمة الإلهية". بشفاعة القديس جان ماري فياني، أرجو أن ينتعش الكهنوت في إيرلندا، وتنمو الكنيسة جمعاء في إيرلندا في تقديرها لهبة الخدمة الكهنوتية العظيمة.

أغتنم هذه الفرصة لتقديم الشكر سلفاً لجميع الذين سيشاركون في عمل تنظيم الزيارة الرسولية والندوة، وللنساء والرجال الذين بدأوا العمل في إيرلندا من أجل سلامة الأطفال في البيئات الكنسية. منذ أن برزت خطورة مسألة الاعتداء الجنسي على الأطفال في المؤسسات الكاثوليكية، بذلت الكنيسة جهوداً كبيرة في أنحاء كثيرة من العالم لمعالجة هذه المشكلة. وفي حين أنه يجب عدم توفير أي جهد لتحسين الإجراءات الحالية وعصرنتها، إلا أنني أستمد الشجاعة من كون ممارسات الحماية الحالية المتخذة من قبل الكنائس المحلية تعتبر مثالاً يحتذى به للمؤسسات الأخرى، في بعض أنحاء العالم.

أود اختتام هذه الرسالة بصلاة خاصة من أجل الكنيسة في إيرلندا، صلاة أرسلها إليكم بعناية أب بأبنائه وبمحبة أخ مسيحي آلمته الأحداث التي جرت في كنيستنا الحبيبة. فيما تتلون هذه الصلاة في عائلاتكم ورعاياكم وجماعاتكم، أرجو أن تحميكم مريم العذراء المباركة وترشدكم نحو وحدة وثيقة مع ابنها المصلوب والقائم من بين الأموات. بمحبة كبيرة وثقة ثابتة بالوعود الإلهية، أمنحكم جميعاً بركتي الرسولية كعربون قوة وسلام في الرب.

من الفاتيكان، 19 مارس 2010، في عيد القديس يوسف

الأب الأقدس بندكتس السادس عشر

صلاة إلى الكنيسة في إيرلندا

يا إله آبائنا،

جددنا في الإيمان الذي يشكل حياتنا وخلاصنا

في الرجاء الذي يَعد بالمغفرة والتجدد الداخلي،

في المحبة التي تطهر قلوبنا وتفتحها

لنحبك ونحب من خلالك كل إخوتنا وأخواتنا .

أيها الرب يسوع يسوع،

فلتجدد الكنيسة في إيرلندا التزامها الألفي

بتنشئة شبابنا على درب الحق والصلاح والقداسة والخدمة السخية للمجتمع.

أيها الروح القدس المعزي، المحامي والمرشد،

أنفخ فصلاً جديداً من القداسة والاندفاع الرسولي

في الكنيسة في إيرلندا.

ولتحمل أحزاننا ودموعنا

وجهودنا الصادقة للتكفير عن ذنوب الماضي

ونيتنا الثابتة للتوبة،

ثماراً جمة من النعمة

لترسيخ الإيمان

في عائلاتنا ورعايانا ومدارسنا وجماعاتنا

للتنمية الروحية في المجتمع الإيرلندي

ونمو المحبة والعدالة والفرح والسلام

ضمن الأسرة البشرية جمعاء.

إليك، أيها الثالوث الأقدس،

نوكل ذواتنا وأبناءنا

واحتياجات الكنيسة في إيرلندا

واثقين بحماية مريم المفعمة بالمحبة،

سلطانة إيرلندا، وأمنا،

والقديس باتريك والقديسة بريجيت وجميع القديسين.

آمين.

نقلته إلى العربية غرة معيط (Zenit.org)

حقوق الطبع محفوظة لمكتبة النشر الفاتيكانية 2010

قداس الرماد: عظة بندكتس السادس عشر

روما، الجمعة 19 فبراير 2010 (Zenit.org) – ننشر في ما يلي العظة التي ألقاها البابا بندكتس السادس عشر يوم أربعاء الرماد خلال القداس الذي تم الاحتفال به في بازيليك القديسة سابينا على تلة الأفنتينو، أولى “محطات” الصوم في روما.

***

“يا رب، أنت تحب كل المخلوقات،

ولا تمقت شيئاً مما صنعت؛

أنت تتغاضى عن ذنوب المهتدين

وتصفح عنهم،

لأنك الرب إلهنا” (نشيد الدخول) 

أيها الإخوة الأجلاء في الأسقفية،

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء!

بهذا الابتهال المؤثر المأخوذ من سفر الحكمة (11: 23، 26)، تفتتح الليتورجيا الاحتفال بسر الافخارستيا في أربعاء الرماد. إنها كلمات تفتتح نوعاً ما كل مسيرة الصوم، متخذة كأساس لها محبة الله الكلية القدرة، وسلطانه المطلق على جميع الخلائق الذي يترجم برأفة لامتناهية تحركها إرادة عيش ثابتة وشاملة. ففي الواقع أن مسامحة أحد ما تعني القول له: لا أريدك أن تموت بل أن تحيا؛ ما أريده دوماً هو فقط مصلحتك.

هذا اليقين المطلق دعم يسوع خلال أيامه الأربعين التي قضاها في صحراء يهوذا بعد معموديته على يد يوحنا في نهر الأردن. لقد شكل له هذا الزمن الطويل من الصمت والصوم توكلاً تاماً على الآب وتدبيره المحب؛ كان “معمودية” أي “انغماساً” في مشيئته، واستباقاً للآلام والصليب. فالتقدم في الصحراء والبقاء فيها وحيداً لفترة طويلة كان يعني التعرض طوعاً لتجارب الشرير المجرب الذي أوقع بآدم والذي دخل الموت إلى العالم بحسده (حك 2، 4)؛ هذا ما يعني محاربته في أرض مكشوفة وتحديه من دون أي سلاح آخر سوى الثقة اللامحدودة بمحبة الآب الكلية القدرة. تكفيني محبتك وتغذيني مشيئتك (يو 4، 34): هذه القناعة كانت تسكن في ذهن يسوع وقلبه خلال “صومه”. لم يكن ذلك فعل زهو، وعملاً جباراً، وإنما خيار تواضع منسجماً مع التجسد والمعمودية في نهر الأردن، ومع الطاعة لمحبة الآب الرحيمة، الآب الذي “أحب العالم حتى بذل ابنه الوحيد” (يو 3، 16).

الرب يسوع هو من فعل كل ذلك لأجلنا. صنعه لينقذنا ويظهر لنا الطريق لاتباعه. وفي الواقع أن الخلاص هبة ونعمة من عند الله، ولكن تأثيره في وجودنا يتطلب موافقتنا وقبولنا الظاهر في الأعمال، أي في إرادة العيش مثل يسوع واتباعه. من هنا يعتبر اتباع يسوع في صحراء الصوم الشرط الأساسي للمشاركة في فصحه، في “خروجه”. لقد طرد آدم من الفردوس الأرضي، رمز الشركة مع الله. بغية العودة إلى هذه الشركة، أي إلى الحياة الحقيقية، الحياة الأبدية، ينبغي علينا الآن أن نجتاز الصحراء، اختبار الإيمان، ليس وحدنا بل مع يسوع! هو الذي سبقنا وتغلب على روح الشر. هذا هو معنى الصوم، الزمن الليتورجي الذي يدعونا سنوياً إلى تجديد خيار اتباع المسيح على درب التواضع للمشاركة في تغلبه على الخطيئة والموت.

هنا نفهم أيضاً الرمز التكفيري للرماد الذي يوضع على رأس الأشخاص الذين يبدأون مسيرة الصوم بنية حسنة. إنها بادرة تواضع تعني أن أدرك حقيقتي، كمخلوق ضعيف خلقت من التراب لأعود إلى التراب، لكنني خلقت أيضاً على صورة الله لأعود إليه. صحيح أنني رماد لكنني محبوب ومجبول بمحبته ومنتعش بنفحته الحيوية وقادر على التعرف إلى صوته والاستجابة له؛ وأنني حر قادر أيضاً على العصيان والاستسلام لتجربة الزهو والاكتفاء الذاتي. هذه هي الخطيئة، المرض المميت الذي ظهر باكراً ليدنس الأرض المباركة أي الإنسان. فهذا الإنسان الذي خلق على صورة المقدس والصالح فقد براءته ولا يستطيع الآن أن يستعيد طبيعته الصالحة إلا بفضل بر الله، بر المحبة “الذي يمنحه الله على أساس الإيمان بيسوع المسيح” (رو 3، 22)، حسبما يكتب القديس بولس. من كلمات الرسول هذه، استقيت جوهر رسالتي الموجهة إلى كل المؤمنين بمناسبة هذا الصوم: التأمل في مسألة البر على ضوء الكتب المقدسة وتحققها في المسيح.

في القراءات البيبلية لأربعاء الرماد، ترد أيضاً مسألة البر. تشكل صفحة النبي يوئيل مع المزمور Miserere لوحة تكفيرية تبرز أن سبب كل ظلم مادي واجتماعي يعود لما يسميه الكتاب المقدس بـ “المعصية” أي الخطيئة التي تقوم أساساً على عصيان الله، أي على غياب المحبة. يقول المرنم: “فإني عارف بمعاصيَّ وخطيئتي أمامي في كل حين. إليك وحدك خطئت وأمام عينيك صنعت الشر” (مز 50: 5، 6). لذا يقوم أول عمل بر على إدراك المعصية وإدراك تجذرها في “القلب”، في قلب الإنسان. فلا يحسن لدى الله “الصوم والبكاء والانتحاب” (يوئيل 2، 12) وكل تعبير تكفيري إلا في حال دلالته على قلوب تائبة. كذلك يشدد الإنجيل المأخوذ من “عظة الجبل” على ضرورة عمل البر – الصدقة والصلاة والصوم – ليس أمام الناس، وإنما فقط أمام الله “الذي يرى في الخفاء” (مت 6: 1، 6؛ 16، 18). فالمكافأة الحقيقية ليست نيل استحسان الآخرين، بل الصداقة مع الله والنعمة المنبثقة عنها التي تمنح السلام والقوة لفعل الخير ومحبة من لا يستحق المحبة، والصفح عمن أخطأ إلينا.

أما القراءة الثانية أي دعوة بولس إلى المصالحة مع الله (2 كور 5، 20)، فهي تتضمن إحدى أشهر المفارقات البولسية التي توجه تأملنا في البر نحو سر المسيح. يكتب القديس بولس: “فإن الذي لم يعرف خطيئة – أي الابن الذي صار إنساناً –، جعله الله خطيئة لأجلنا، لنصير نحن بر الله فيه” (2 كور 5، 21). في قلب المسيح، أي في شخصه الإلهي والبشري، كانت مأساة الحرية على المحك. لقد أخذ الله تدبيره الخلاصي إلى أقصى العواقب، محافظاً على الأمانة لمحبته حتى على حساب تسليم ابنه الوحيد
إلى الموت، الموت على الصليب. وكما كتبت في رسالة الصوم، “هنا يتجلى البر الإلهي المختلف عن البر البشري (…). بفضل عمل المسيح، نستطيع الدخول في بر “أكبر”، بر المحبة” (رو 13: 8، 10).

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، إن الصوم يوسع آفاقنا ويوجهنا نحو الحياة الأبدية. نحن في رحلة حج على هذه الأرض “فليس لنا هنا مدينة باقية، وإنما نسعى إلى المدينة الآتية”، بحسب الرسالة إلى العبرانيين (عب 13، 14). كما يدفعنا الصوم إلى إدراك الطابع النسبي لخيرات هذه الأرض ويجعلنا قادرين على التضحيات الضرورية، محرراً إيانا لفعل الصالحات. دعونا نفتح الأرض على نور السماوات، على حضور الله في وسطنا. آمين. 

نقلته إلى العربية غرة معيط (Zenit.org)

حقوق الطبع محفوظة لمكتبة النشر الفاتيكانية 2010