وثائق المجمع الفاتيكانيّ الثَّاني
IV. دستور رعائي في الكنيسة في عالم اليوم، فرح ورجاء (Gaudium et spes)
4. معنى نشاط الإنسان في الكون (فرح ورجاء، 33-39)
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، صباح الخير وأهلًا وسهلًا بكم!
نواصل مسيرتنا في التأمّل في الدّستور الرّعائي، ”فرح ورجاء“، للمجمع المسكونيّ الفاتيكاني الثّاني، ونصل إلى الفصل الثّالث من القسم الأوّل، الذي يحمل عنوانًا جذّابًا، هو ”نشاط الإنسان في الكون“. السّؤال الأساسيّ هو الآتي: ما قيمة نشاط الإنسان في العالم، وبالتّالي ما قيمة التقدّم التّكنولوجيّ والاجتماعيّ والعِلميّ؟ يمكننا أن نتذكّر أنّ الإنسان كان سيطأ القمر للمرّة الأولى، بعد أقلّ من أربع سنوات بعد اختتام المجمع، في ليلة 20-21 تموز/يوليو 1969.
الإنسان، المخلوق على صورة الله ومثاله، هو صانع التّقدّم. فبفضل حرّيّته وذكائه، يوسّع معارفه، وبذلك يسهم في تقدّم كلّ المجتمع. ويمكننا أن نرى ذلك بسهولة إن نظرنا إلى التحسّن الذي طرأ على ظروف الحياة مع تعاقب الأجيال. في الواقع، تقول الوثيقة: “إنّ خيرات كثيرة كان الإنسان في الماضي ينتظرها من قوى عليا، أصبح اليوم يحصل عليها بمبادرته وقواه” (رقم 33).
لهذا، قال بعض المفكّرين إنّ التّقدّم التّكنولوجيّ والعِلميّ يُضعف علاقة الإنسان مع الله، إلى حدّ يجعل الله يبدو أمرًا غير ضروريّ، أو يجعل العِلم يبدو نقيضًا للإيمان المسيحيّ. وقد أدّى هذا الفهم إلى تغيّر في نظرة الإنسان المعاصر إلى العالم، مقارنةً بالعصور السّابقة. وتترسّخ مثل هذه النّظرة بشكل خاصّ في بعض الثّقافات الغربيّة التي فقدت ارتباطها بالوحي المسيحيّ. ففي النّزعات الإنسانيّة ما بعد المسيحيّة، يُقدَّم الإنسان والله، على نحو خاطئ، على أنّهما نقيضان: فلكي يؤكّد الإنسان معارفه وحرّيّته وتقدّمه، يجب أن يتحرّر من الله. لكن عندما يُنكر الإنسان العلاقة مع الله يؤدّي ذلك في نهاية المطاف إلى أن يفقد إمكانيّة تأكيد قيمته التي تعلو عن كلّ ما هو أرضيّ. هذه هي ”مأساة الإنسانيّة الإلحاديّة“، كما وصفها وصفًا جيّدًا أحد اللاهوتيّين المهمّين في المجمع الفاتيكاني الثّاني، هنري دو لوباك (Henri de Lubac). [1]
المجمع يريد أن يقدّم جوابًا واضحًا. الدّستور الرّعائي، ”فرح ورجاء“، يقول: “إنّ المؤمنين لَمُتأكّدون من شيءٍ وهو أنّ نشاط الإنسان، إن نظرنا إليه بحد ذاته، فرديًّا كان أم جماعيًّا، يتفق مع تصميم الله. وهذا النّشاط هو مجهودٌ جبار، ينهمك فيه النّاس على مرِّ العصور لتحسين أوضاع حياتهم” (رقم 34). بل إنّ الدّستور يتابع ويقول: “إنّ المسيحيّين، بدلًا من أن يعتبروا نتاج عبقريّة الإنسان وشجاعته مضادًا لقدرة الله، والخليقة العاقلة منافسة للخالق، هم بالعكس مقتنعون تمام الاقتناع، بأنّ مكاسبَ الإنسان هي علامة تدلُّ على عظمة الله ونتيجة لقصده الفائق” ( المرجع نفسه). خلاصة الأمر هي أنّ الله قد وضع في يدي الرّجل والمرأة خَلقًا لا يزال في حالة الصّيرورة، أي في طريقه إلى النّموّ، لكي يقوداه إلى كماله بنشاطهما الحكيم. [2]
هنا نجد تذكيرًا مهمًّا بسرّ التجسّد. فالبشريّة – والعمل والتقدّم واستقلاليّة واقع الخليقة – لا تُغمر ولا تُلغى في لقائها مع الله، بل يتَّخذها المسيح بكاملها، وتستمرّ بالوجود فيه بكمال حرّيّتها ونشاطها. في الواقع، فيه تجد كمال الحقيقة والحرّيّة. بالإضافة إلى ذلك، في الاحتفال بالإفخارستيّا، ثمرة عمل الإنسان، الحاضرة في الخبز والخمر، توضع كلّ يوم على المذبح، لكي تتحوّل إلى جسد المسيح ودمه.
من هذا المنظور تنبثق حقيقة مهمّة: لكي يلتقي الإنسان مع الله، يجب ألّا يَترك انشغالاته الأرضيّة، بل يستطيع أن يعيش دعوته عيشًا كاملًا، بإتقان عمله اليوميّ وتقديسه. [3] فالمسيحيّون، شأنهم شأن الجميع، يشاركون في بناء مدينة البشر، ويتّجهون نحو غاية جميع الأشياء وإلى لقاء الله، ويُذكِّرون هذه الغاية الأخيرة للذين يساهمون معهم في مغامرة التّقدّم والعِلم والحياة.
لا شكّ في أنّ التقدّم الأرضيّ يجب أن يتميّز بوضوح عن نموّ ملكوت المسيح. غير أنّ المجمع يؤكّد أنّ “هذا التقدّم، بقدر ما يمكنه أن يسهم في تنظيم المجتمع البشريّ تنظيمًا أفضل، له أهمّيّة كبيرة بالنّسبة إلى ملكوت الله. […] فجميع ثمار الطّبيعة وكلّ نشاطنا، بعد أن نكون قد نشرناه على الأرض بروح الرّبّ ووفقًا لوصيّته، سنجده من جديد، ولكن بعد أن يكون قد تطهّر من كلّ دنس، وأنارته النّعمة وحوّلته” (رقم 39).
أخيرًا، لنتذكّر أنّ التقدّم التّكنولوجيّ والعِلمي، لكي يصير تقدّمًا إنسانيًّا حقيقيًّا، أي تقدّمًا لكلّ الإنسان ولكلّ إنسان، يجب أن تحرّكه المحبّة ويجب أن يكون هدفه المحبّة. هكذا فقط يمكن أن يوضع دائمًا في خدمة الدّفاع عن كرامة الإنسان، وأن يعزّز ظروف حياة الجميع، ولا سيّما غير المحظوظين.
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، المجمع الفاتيكاني الثّاني يدعونا إلى أن نشارك في خبز المعرفة والمعرفة العمليّة، لكي يتمكّن كلّ إنسان وكلّ شعب من تنمية إمكاناته، ولكي نستطيع معًا، بعون الله، أن نبني مستقبلًا أفضل.
*******
قِراءَةٌ مِن سِفرِ التَّكوين (2، 8-9أ. 15)
غَرَسَ الرَّبُّ الإِلهُ جَنَّةً في عَدْنٍ شَرْقًا وجَعَلَ هُناكَ الإِنسانَ الَّذي جَبَلَه. وأَنْبَتَ الرَّبُّ الإِلهُ مِنَ الأَرضِ كُلَّ شَجَرَةٍ حَسَنَةِ المَنظَر وطَيِّبَةِ المأكَل. […] وأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ الإِنسانَ وجَعَلَهُ في جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَفلَحَها ويَحرُسَها.
كلامُ الرَّبّ
*******
Speaker:
تَكَلَّمَ قَداسَةُ البابا اليَوم، في إطارِ تعلِيمِهِ في مَوضُوعِ وثائِقِ المَجمَعِ الفاتيكانيّ الثَّاني، عَن الدُّستورِ الرِّعائيّ، ”فَرَحٌ ورَجاء“، وتَأمَّلَ في نَشاطِ الإنسانِ في العالَم، وقِيمَةِ التَّقَدُّمِ العِلمِيّ والتِّكنُولوجِيّ والاجتِماعِيّ، وقال: المَجمَعُ يُؤَكِّدُ أنَّ الإنسان، المَخلوقَ علَى صُورَةِ اللهِ ومِثالِه، يُساهِمُ بِذَكائِهِ وَحُرِّيَّتِهِ في تَطويرِ العالَمِ وَتَحسِينِ ظُرُوفِ الحَياة، وَلِذَلِك، لا يَتَعارَضُ نَشاطُهُ مَعَ قُدرَةِ الله، بلْ يَعكِسُ عَظَمَةَ اللهِ وَيُحَقِّقُ قَصدَهُ. وَيَرفُضُ المَجمَعُ اعتِبارَ الإنسانِ واللهِ مُتَناقِضَين، مُؤَكِّدًا أنَّ الإيمانَ باللهِ لا يَلغِي حُرِّيَّةَ الإنسانِ وَنَشاطَهُ، بلْ يُتِيحُ لَهُ أنْ يُحَقِّقَ ذاتَهُ في عَلاقَتِهِ مَعَ الله، بِعَمَلِهِ اليَومِيّ وَمُشارَكَتِهِ في بِناءِ المُجتَمَع. كَما يُمَيِّزُ المَجمَعُ بَينَ التَّقَدُّمِ الأرضِيّ وَنُمُوِّ مَلكُوتِ الله، مَعَ الاعتِرافِ بأنَّ التَّقَدُّمَ الَّذي يُسهِمُ في تَحسِينِ حَياةِ النَّاسِ يُمكِنُ أنْ يَخدِمَ هذا المَلَكُوت. وَلِكَي يَكُونَ التَّقَدُّمُ العِلمِيّ والتِّكنُولوجِيّ إنسانِيًّا، يَجِبُ أنْ تُحَرِّكَهُ المَحَبَّة، وَيَكُونَ هَدَفُهُ هو المَحَبَّة، وأنْ يَكُونَ فِي خِدمَةِ كُلِّ الإنسانِ وكُلِّ إنسان.
*******
Speaker:
أُحَيِّي المُؤمِنِينَ النَّاطِقِينَ باللُغَةِ العَرَبِيَّة. لِنَجعَلْ عِلمَنا وَعَمَلَنا فِي خِدمَةِ الإِنسانِ وَكَرَامَتِه، وَلْنُساهِمْ بالمَحَبَّةِ فِي بِناءِ عَالَمٍ أَفضَلَ لِلجَمِيع. بارَكَكُم الرَّبُّ جَميعًا وَحَماكُم دائِمًا مِن كلِّ شَرّ!
____________________________
[1] Cfr H. de Lubac, Le drame de l’humanisme athée (1944), tr. it. Brescia 2013.
[2] راجع التّعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكيّة، الأعداد 302 و306 و307.
[3] راجع القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، عظة في إعلان قداسة خوسيماريا إسكريفا دي بالاغير (Josemaría Escrivá de Balaguer) (6 تشرين الأوّل/أكتوبر 2002).
*******
© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2026
Copyright © دائرة الاتصالات – Libreria Editrice Vaticana
