بقلم روبير شعيب

الفاتيكان، الخميس 15 أكتوبر 2009 (Zenit.org). – "الصلاة هي أن نكون مع الله ونحن نحبه"، هذا هو التعريف الذي يمكننا أن نستمده من معلمة الكنيسة، القديسة تريزا الأفيلية عن الصلاة. ففي كتاب سيرتها تصف القديسة المتصوفة التأمل فتقول: "ما التأمل في رأيي، إلا حديث صداقة نجريه غالبًا على انفراد مع من نعرف أنه يحبنا" (تريزا الأفيلية، كتاب السيرة، 8، 5).

كما أن التواضع، الذي تحدثنا عنه في القسم الأول من هذه المقالة، هو ركيزة تعتمد علينا بحيث أننا نصلي بقدر ما نكون حقيقيين وحاضرين على حقيقتنا أمام الله؛ فكذلك، تشكل خبرة حب الله التي يعيشها الإنسان ركيزة الصلاة التي تجعل هذه الأخيرة ممكنة أنطولوجيًا. لندرك جيدًا: لو لم يكن الله يحبنا لما كان ممكنًا لنا أن نصلي. إمكانية الصلاة ترتكز على أن الله ينحني متضعًا نحونا، والله ينحني نحونا لأنه يحبنا. لذا، إذا أردنا أن نرتب الركائز بحسب أهميتها لا بد لنا أن نصرح بأن حب الله لنا هو ركيزة صلاتنا (تمامًا كما هو ركيزة وجودنا).

عندما نصف الصلاة كفعل حب، نعني فعل حب من قِبل الله ومن قِبل الإنسان. ولكن الأولية الزمنية والأنطولوجية تذهب لحب الله: "نحن نحب – يقول القديس يوحنا في رسالته الأولى – لأن الله أحبنا أولاً" (1 يو 4، 19). لهذا السبب، في حديثه عن محركات الصلاة يصف الأب أندريا غاسبارينو هذا المحرك بـ "المصيري"، ويقول: "إذا كانت قناعتك راسخة بأن الله يحبك شخصيًا بكل إخلاص وثبات وأمانة؛ إذا كان إيمانك وطيدًا بأن الله يحبك حتى عندما لا تتجاوب مع حبه (ولكن انتبه! يجب أن تكون هذه القناعة راسخة وعميقة، ولا مجرد فكرة عابرة تمر سائحة في ذهنك!)؛ إذا كنت موقنًا بحب الله لك، عندها ستنطلق وتسيل الصلاة بحد ذاتها من قلبك، من شفتيك ومن حياتك، دون جهد. الله يحبني! هذا هو مصدر النار في الصلاة، ولكن يجب على هذه النار أن تتأجج في علاقتك مع الرب وأن تحولها إلى نار!".

من يعيش صلاة خاملة أو كسولة أو مريضة، غالبًا لم يع بعد أن الله يحبه، أو أنه فهم هذا الأمر بطريقة هامشية ولم يحز بعد على قناعة راسخة.

ينصح الأب غاسبارينو الشباب: " يجب أن تجهدوا بكل قواكم لكي تبنوا في نفوسكم هذه القناعة. لا تكفي جهود قليلة... أن نفهم أن الله يحبنا هو كالدخول في حقيقة الله العميقة، في قلب الله.

ويقدم غاسبارينو وسيلتين فعالتين لإدراك حب الله والتعمق في قناعة هذا الحب: الشكران وقراءة كلمة الله كرسالة محبة.

 

الشكران: وقود المحبة

 

يدعو الأب غاسبارينو إلى "بناء القاعة الرياضية" ويشرح أن الشكران ليس مسألة سهلة، بل يحتاج إلى التمرين. ويقدم لهذا تطبيقات عملية: "اختاروا أوقات محددة في النهار تقومون خلالها بالتمرين: في الصباح، عندما تستيقظون، عندما تتنزهون أو تتنقلون، عندما تقومون بعمل يمكنكم القيام بذلك". فكما يبني التمرين الرياضي عضلات الجسد، كذلك ينمي التمرين على الشكران عضلات الحب. فمن يتعلم التمرين، سرعان ما يتقدم في سبيل العرفان فيضحي نهاره كله فعل شكران. وكما يردد العقل بشكل عفوي لازمة أغنية يسمعها المرء مرارًا وتكرارًا كذلك يضحي الشكران صرخة قلب عفوية وصلاة دائمة. "كونوا في كل شيء شاكرين! هذه هي إرادة الله فيكم في المسيح يسوع" (1 تسا 5، 18).

يشدد القديس بولس على طلب هذا السلوك من المسيحيين الأوائل ومن الوثنيين المهتدين لأنه قاعدة متينة للحياة المسيحية (كالعظم في الجسم).

سنتحدث في القسم المقبل عن الوسيلة الثانية: قراءة كلمة الله كرسالة محبة.

دور العذراء مريم في تنشئة الكاهن (1)

بقلم الأب بيار نجم المريمي

باريس، الثلاثاء 18 أغسطس 2009 (Zenit.org). – عن موقع “شريعة المحبة” – “مريم هي صورة الكنيسة في الإيمان والمحبة والإتّحاد الكامل بالمسيح”. يقول القديس أمبروسيوس. وقد كانت على مرّ الأجيال رفيقة الكاهن تلميذ ابنها، وقد ركّزت الكنيسة الكاثوليكيّة كما شقيقتها الأرثوذكسيّة على دورها في حياة الكاهن وفي الروحانيّة الكهنوتيّة.

نتأمّل اليوم في دور مريم العذراء في تنشئة الكاهن الروحانية. ولكن قبل أن نبدأ، لا بدّ من التذكير بنقطتين أساسيّتين:

1) لا يجب أن نفهم أن مريم هي صورة لكهنوت المسيح، فالكهنوت المسيحي يستمد معناه وغايته من المسيح الكاهن الذي قدّم ذاته على الصليب من أجل كنيسته، بينما مريم هي صورة الكنيسة وأمّها، قدمت ذاتها لله بكليتها، وهذه الكلّية تحتوي المشورات الإنجيلية، حبّاً بالمسيح العروس والفادي.

2) من ناحية أخرى علينا أن نسعى الى اكتساب روحانيّتين: روحانية مريمية من ناحية وروحانيّة كهنوتيّة من ناحية أخرى، فنجعلها مستوحاة من مريم في ما يخصّ حياة المعموديّة والحياة التقويّة، ومن المسيح في ما يخص الكهنوت.  فإن كان هناك إنقسام في الروحانية، يعني ذلك إنقساماً في الهويّة، فالروحانية التي نكتسبها هي هويتنا التي نتعاطى من خلالها مع الله في حياتنا الروحية، ومع البشر في حياتنا الرسولية، أي في تجسيدنا عملاً لحبّنا لله الثالوث.  إن كانت الروحانية المريمية هي روحانية عروس المسيح، الكنيسة، فأنا أرتبط بها من حيث دخولي في عهد حب مع الله الرأس من خلال التزامي بالإنجيل على مثال الكنيسة العذراء تقدّم ذاتها نقية لعريسها، وإن كانت الروحانية الكهنوتية تأخذ هوّيتها من المسيح عروس الكنيسة فإن هذه الهوّية الروحية المسيحانية تتكوّن فيّ وتبدلني لأضحي مكرسّاً على مثال المسيح رأس الكنيسة.  أأقدر أن أكون على خلاف المسيح؟ إن كان هو رأس الجسد السرّي أي الكنيسة (ومريم صورتها) وليس الرأس والجسد معاً، أيحق لي أن أحمل أنا الميزتين معاً؟