روما، الخميس 9 أبريل 2009 (Zenit.org) – ننشر في ما يلي التعليم الذي تلاه البارحة البابا بندكتس السادس عشر خلال المقابلة العامة في ساحة القديس بطرس.

***

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

إن أسبوع الآلام الذي نعتبره نحن المسيحيين أهم أسبوع في السنة يتيح لنا فرصة التعمق في أحداث الفداء الرئيسية وإعادة عيش سر الفصح، سر الإيمان العظيم. ابتداءً من مساء الغد ومع قداس عشاء الرب، ستساعدنا الطقوس الليتورجية الاحتفالية على التأمل بطريقة أعمق بآلام الرب وموته وقيامته خلال أيام ثلاثية الفصح المقدسة، أساس كل السنة الليتورجية. فلتفتح النعمة الإلهية قلوبنا لنفهم هبة الخلاص النفيسة التي نلناها من تضحية المسيح. هذه الهبة العظيمة تظهر روعتها في تسبيح شهير ضمن الرسالة إلى أهل فيليبي (2: 6، 11) تأملنا به مرات عديدة خلال زمن الصوم. فالرسول يستعيد بطريقة أساسية وفعالة كل سر تاريخ الخلاص ذاكراً زهو آدم الذي أراد التشبه بالله على الرغم من أنه لم يكن الله. أما ما يعارض زهو الإنسان الأول الذي نحس به قليلاً في أنفسنا فهو تواضع ابن الله الحقيقي الذي ومن خلال تأنسه لم يتردد في أخذ كافة نقاط ضعف الإنسان على عاتقه ما عدا الخطيئة، ونزل إلى لجة الموت. هذا النزول إلى لجة الآلام والموت تلاه ارتفاعه، المجد الحقيقي، مجد المحبة السامية. لذلك صحيح ما يقوله القديس بولس "لكي تنحني سجوداً لاسم يسوع كل ركبة، سواء في السماء أم على الأرض أم تحت الأرض، ولكي يعترف كل لسان بأن يسوع المسيح هو الرب" (2: 10، 11). إن القديس بولس يشير من خلال هذه الكلمات إلى نبوءة لأشعيا يقول فيها الله: إني أنا الرب، لي ستجثو كل ركبة في أعالي السماوات وعلى الأرض (أش 45، 23). يقول بولس أن هذا هو يسوع المسيح. إنه بتواضعه وعظمة محبته، رب الكون وأمامه تنحني كل ركبة.

كم أن هذا السر رائع ومذهل! نحن لا نتأمل كفاية في هذه الحقيقة القائمة على أن يسوع الإله لم يرد أبداً أن يستأثر بامتيازاته الإلهية، ولم يرد أن يستخدم ألوهيته وكرامته المجيدة وقدرته كأداة انتصار ورمز ابتعاد عنا. إنه على العكس "أخلى نفسه" آخذاً على عاتقه الحالة البشرية البائسة والضعيفة؛ وفي هذا الصدد يستخدم بولس فعلاً يونانياً قوياً للإشارة إلى Kenosis (إخلاء الذات)، انحدار يسوع. فالشكل الإلهي توارى في المسيح على الشكل البشري أي على شكل حقيقتنا المتميزة بالألم والفقر والموت ومحدوديتنا البشرية. والمشاركة الجذرية والفعلية في طبيعتنا، المشاركة في كل شيء ما عدا الخطيئة، أدت به إلى الموت، رمز محدوديتنا. إلا أن كل ذلك لم يكن نتاج آلية غامضة أو قدر عشوائي، وإنما كان بالأحرى خياره الحر بالاتحاد السخي مع تدبير الآب الخلاصي. ويضيف الرسول أن الموت الذي اختاره كان الموت على الصليب، الموت الأكثر إذلالاً وإهانة. كل ذلك أنجزه رب الكون لأنه أحبنا: فهو بمحبته أراد "أن يخلي ذاته" ويكون لنا أخاً؛ بمحبته شاركنا وضعنا البشري، وضع كل رجل وامرأة. في هذا الصدد، يكتب شاهد عظيم على التقليد الشرقي وهو ثيودوروس الصيري: "هو الكائن في هيئة الله، لم يعتبر مساواته مع الله أمراً عظيماً كما يفعل من نالوا شرفاً سامياً بسبب مزاياهم، بل أخفى مزاياه وأمعن في الاتضاع متخذاً صورة إنسان" (تعليق على الرسالة إلى أهل فيليبي 2: 6، 7).

تمهيداً لثلاثية الفصح التي تبدأ غداً – كما ذكرت آنفاً – مع الطقوس الإيحائية بعد ظهر خميس الأسرار، يحتفل الأسقف مع أبرشيته صباحاً بالقداس المسحي الذي تتجدد فيه الوعود الكهنوتية التي تمت تلاوتها يوم السيامة. هذه بادرة قيمة، وفرصة سانحة أكثر من أي وقت ليجدد فيها الكهنة تأكيدهم على أمانتهم للمسيح الذي اختارهم خداماً له. هذا اللقاء الكهنوتي يحمل معنىً خاصاً لأنه نوعاً ما تحضير للسنة الكهنوتية التي دعوت إليها بمناسبة ذكرى مرور 150 سنة على وفاة كاهن آرس، والتي تبدأ في 19 يونيو المقبل. كذلك، وخلال القداس المسحي، يتم تبريك زيت المرضى وزيت الموعوظين وزيت التثبيت المقدس. هذه الطقوس ترمز إلى كمال كهنوت المسيح وكمال الوحدة الكنسية التي من شأنها أن تقوي الشعب المسيحي المجتمع من أجل الذبيحة القربانية والحي في الوحدة من خلال هبة الروح القدس.

خلال قداس المساء، المسمى "عشاء الرب" تحيي الكنيسة ذكرى تأسيس الافخارستيا، الكهنوت العام ووصية المحبة الجديدة، الذي تركه يسوع لتلاميذه. هنا يقدم القديس بولس إحدى أقدم الشهادات عما حدث في العلية، عشية آلام الرب، فيكتب في بداية العام خمسين: "إن الرب يسوع، في الليلة التي أسلم فيها، أخذ خبزاً، وشكر، ثم كسر الخبز وقال: "هذا هو جسدي الذي يكسر من أجلكم – اعملوا هذا لذكري". وكذلك أخذ الكأس بعد العشاء، وقال:"هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي – اعملوا هذا، كلما شربتم، لذكري" (1 كور 11: 23، 25). إنها كلمات خفية تظهر بوضوح إرادة المسيح: بأعراض الخبز والخمر، يكون موجوداً بجسده المبذول ودمه المسفوك. هذه هي تضحية العهد الجديد والجازم الممنوح للجميع من دون تمييز عرقي أو ثقافي. ومن خلال هذا الطقس الجوهري الذي يعطيه للكنيسة كدلالة سامية على محبته، يجعل يسوع من تلاميذه وجميع الذين يكملون خدمته على مر العصور خداماً له. إذاً يشكل خميس الأسرار دعوة متجددة إلى تقديم الشكر لله على هبة سر الافخارستيا السامية التي لا بد من نيلها بورع والسجود لها بإيمان حي. لذلك تشجع الكنيسة بعد الاحتفال بالقداس على السهر بحضور السر المقدس لتذكر الساعة الحزينة التي قضاها يسوع في التوحد والص لاة في بستان جثسيماني قبل إلقاء القبض عليه والحكم عليه بالموت.

بعدها، يحل يوم الجمعة العظيمة، يوم آلام وصلب الرب. في كل سنة، وخلال سجودنا أمام يسوع المسمر على خشبة الصليب، نشعر أن الكلمات التي قالها عشية آلامه، خلال العشاء الأخير، هي كلمات مفعمة بالمحبة. "هذا هو دمي الذي للعهد الجديد والذي يسفك من أجل كثيرين" (مر 14، 24). لقد أراد يسوع تقديم حياته تكفيراً عن الخطايا والبشرية. أمام الافخارستيا وأمام آلام يسوع وموته على الصليب، يصبح السر سراً لا يدركه العقل. إننا نجد أنفسنا أمام أمر يبدو غير معقول بشرياً: إله لا يتخذ فقط صورة إنسان مع كافة احتياجات الإنسان، ولا يتألم فقط ليخلص الإنسان حاملاً كل مأساة البشرية، بل يموت أيضاً من أجل الإنسان.

يذكرنا موت المسيح بتراكم الآلام والشرور التي تفتك بالبشرية على مر العصور وهي ثقل موتنا، والبغض والعنف اللذان ما يزالان يدميان الأرض. إن آلام المسيح تُستكمل في آلام البشر. بحق كما يكتب بليز باسكال: "سيعيش يسوع الآلام حتى نهاية العالم، وخلال هذه الفترة يجب السهر" (تأملات 553). إن كان يوم الجمعة العظيمة مليئاً بالحزن، فإنه إذاً في الوقت عينه يوم سانح أكثر من غيره لتجديد إيماننا وتوطيد رجائنا وشجاعة حمل صليبنا باتضاع وثقة وتوكل على الله، واثقين من حصولنا على دعمه وانتصاره. في هذا اليوم تنشد الليتورجية: "أيها الصليب المخلص، رجاؤنا الوحيد!"

هذا الرجاء يقتات من صمت سبت النور في انتظار قيامة يسوع. في هذا اليوم، تكون الكنائس خالية ولا تقام فيها أي طقوس ليتورجية. تسهر الكنيسة على الصلاة كمريم ومع مريم، وتشاركها مشاعر الألم والثقة في الله. نوصي بحق بالحفاظ طيلة النهار على أجواء الصلاة الملائمة للتأمل والمصالحة، ونشجع المؤمنين على الالتجاء إلى سر التوبة للاحتفال بتجدد بعيد الفصح.

إن خشوع وصمت سبت النور يرشداننا في الليل إلى عشية الفصح البهية "أم كافة العشيات" عندما يرتفع في كافة الكنائس والجماعات نشيد الفرح بقيامة المسيح. مرة أخرى، يتم إعلان انتصار النور على الظلمات، والحياة على الموت؛ وتفرح الكنيسة باللقاء مع ربها. وهكذا نعيش أجواء فصح القيامة.

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، فلنستعد لعيش ثلاثية الفصح بحماسة، فنشارك في سر المسيح بشكل أعمق. ترافقنا على هذه الدرب العذراء القديسة التي تبعت ابنها يسوع بصمت حتى موضع الجلجلة، وشاركت بأسى شديد في تضحيته، وساهمت في سر الفداء فأصبحت أماً لجميع المؤمنين (يو 19: 25، 27). معها سندخل إلى العلية ونبقى عند الصليب، ونسهر بطريقة مثالية قرب المسيح المائت منتظرين برجاء فجر يوم القيامة البهي. من هنا أوجه لكم منذ الآن تمنياتي القلبية بفصح سعيد ومقدس مع عائلاتكم ورعاياكم وجماعاتكم.

نقلته من الفرنسية إلى العربية غرة معيط (Zenit.org)

حقوق الطبع محفوظة لمكتبة النشر الفاتيكانية 2009