***

أيها الإخوة الأجلاء،

نجتمع اليوم معًا، بعيد الاحتفال الرسمي الذي جمعنا البارحة في ساحة القديس بطرس. إن التحية الودية والأخوية التي أود أن أتوجه بها اليكم هي وليدة الشراكة العميقة التي يمكن للإفخارستيا فقط أن تخلقها. إن الروابط التي تجمعنا كأعضاء في الكهنوت متحدين بخليفة بطرس تصبح مرئية وملموسة تقريبًا.

على وجوهكم يا بطاركة ورؤساء أساقفة الكنائس الكاثوليكية الشرقية الأعزاء، ورؤساء المجالس الأسقفية في العالم، أرى أيضًا مئات الأساقفة الملتزمين في جميع أنحاء العالم بإعلان الإنجيل، وبخدمة الكنيسة والإنسان، وذلك طاعة للمهمة التي سلمهم إياها المسيح. ولكن أود اليوم أن أتوجه اليكم بتحية خاصة أيها الإخوة الأعزاء الذين حظيتم بنعمة المشاركة كآباء في المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني. أشكر الكاردينال أرينزي الذي نقل مشاعركم، وفي هذا الوقت، أذكر دائما في الصلاة والمودة مجموعة الأساقفة الذين لا يزالوا على قيد الحياة وهم 70 أسقفًا تقريبًا الذين شاركوا بأعمال المجمع. ردًّا منهم على هذه الدعوة التي لم يتمكنوا من تلبيتها نظرًا لتقدمهم في السن وصحتهم، استذكر العديد منهم هذه الأيام، بكلمات معبرة، مؤكدين مشاركتهم الروحية في هذا الوقت، عبر تقديم معاناتهم.

عديدة هي الذكريات التي انطبعت في أذهاننا وكل واحد منا يحفظها في قلبه حول هذه الفترة الحية، الغنية، والمثمرة أي المجمع. لا أريد أن أسترسل بالحديث، ومع ذلك، وأنا أردد كلمات من عظتي يوم أمس، أود فقط أن أذكر كيف أن كلمة ألقاها الطوباوي يوحنا الثالث والعشرون، بطريقة برنامجية تقريبًا، وجدت معناها بالكامل في أعمال المجمع وهي: "التحديث".

بعد خمسين عامًا على افتتاح الجلسات الرسمية للكنيسة، تساءل البعض ما إذا كانت هذه العبارة، منذ البداية، عبارة فرح. يبدو لي أنه يمكننا أن نتناقش لساعات حول اختيار الكلمات، وسنجد آراء متضاربة، ولكنني مقتنع بأن حدس الطوباوي يوحنا الثالث والعشرون كان ولا يزال دقيقًا. لا يجب أن تحسب المسيحية "شيء من الماضي"، ولا يجب أن تعاش مع نظر شاخص بشكل دائم "الى الوراء"، لأن يسوع المسيح هو هو الأمس، واليوم، والى الأبد (العبرانيين 13، 8). المسيحية موصومة بحضور الله الأبدي الذي دخل التاريخ، وهو حاضر في كل عصر، بحيث يتدفق كل عصر من قدرته الخلاقة، وأبديته "الآنية".

لهذا السبب المسيحية جديدة دائمًا. ليس علينا أن نراها أبدًا كشجرة كاملة النمو من خلال حبة الخردل في الإنجيل، التي كبرت وأعطت ثمارًا، ولكنها في يوم ما شاخت، وبدأت حيويتها تنطفىء. المسيحية هي شجرة، إذا جاز التعبير، تبقى شابة في فجر "لا يغيب". وهذه الآنية، هذا "التحديث" لا يعني قطيعة مع التقليد، بل يعبر عن الحيوية المستمرة. هو لا يعني انتقاص الإيمان، وجعله يتوافق مع متطلبات العصور، مع ما يرضينا، مع ما يرضي الرأي العام، بل العكس: علينا نحن وعلى غرار آباء المجمع، علينا أن نأتي "بالآنية" التي نعيشها الى مقياس الحدث المسيحي، أي أن نأتي "بآنية"عصرنا الى "آنية" الله.

كان المجمع وقتًا من النعمة علمنا فيه الروح القدس أن الكنيسة، خلال مسيرتها في التاريخ، عليها دائما أن تتجاوب مع الإنسان المعاصر، ولكن هذا لا يتحقق إلا من خلال أولئك المتجذرين بالله، والله يقودهم، ويعيشون إيمانهم بنقاوة. هذا لا يحصل مع أولئك الذين يتكيفون مع اللحظة العابرة، أولئك الذين يختارون الطريقة الأكثر راحة. كان المجمع واضحًا جدا ففي الدستور العقائدي للكنيسة (نور الأمم، 49)، أكد أن كل من في الكنيسة مدعو للقداسة بحسب ما قاله بولس الرسول "وهل مشيئة الله إلا أن تكونوا قديسين" (1 تسالونيكي 4، 3): تظهر القداسة الوجه الحقيقي للكنيسة، تجعل "آنية"الله الأبدية تدخل في "آنية"حياتنا، في "آنية" إنسان عصرنا هذا.

إخوتي الأعزاء في الكهنوت، ذكرى الماضي قيمة، ولكنها ليست أبدًا نهاية بحد ذاتها. إن سنة الإيمان التي افتتحناها أمس تقدم لنا الطريقة الأنسب لإحياء ذكرى المجمع: التركيز على صلب رسالته، التي ليست سوى رسالة إيمان بيسوع المسيح، الذي أعلن نفسه للإنسان المعاصر بأنه المخلص الوحيد للعالم. ما هو مهم اليوم أيضًا، هو زرع شعاع محبة الله في قلب وحياة كل رجل وامرأة، وإرشاد كل رجل وامرأة من كل زمان وعصر نحو الله.

أتمنى من كل قلبي أن تجد كل الكنائس الخاصة، خلال الاحتفال بهذه السنة، فرصة العودة الضرورية دائمًا الى مصدر الإنجيل الذي لا ينضب، الى اللقاء المحول مع شخص يسوع المسيح. شكرًا.

***

نقلته من الفرنسية الى العربية نانسي لحود- وكالة زينيت العالمية

جميع الحقوق محفوظة لدار النشر الفاتيكانية

رسالة البابا احتفالا بيوم الأغذية العالمي "التعاونيات الزراعية تغذي العالم"

الفاتيكان، الثلاثاء 16 أكتوبر 2012 (ZENIT.org). – نقلاً عن إذاعة الفاتيكان – وجه البابا بندكتس السادس عشر هذا الثلاثاء رسالة إلى مدير عام منظمة الفاو السيد جوزيه غرتسيانو دي سيلفا احتفالا بيوم الأغذية العالمي الموافق تاريخ السادس عشر من شهر تشرين الأول أكتوبر من كل عام، ذكّر فيها بتبعات الأزمة الاقتصادية وبالحق الأساسي لكل شخص في غذاء كاف وصحي، وبالالتزام في تحرير البشرية من الجوع. وأثنى الأب الأقدس على الموضوع المختار لاحتفال هذه السنة “التعاونيات الزراعية تغذّي العالم”، وقال إن ذلك لا يعني فقط تقديم دعم للتعاونيات إنما اعتبارها أيضا كوسيلة حقيقية للعمل الدولي، وأضاف أن التعاونيات، وبحسب الخبرة في دول عديدة، وإضافة للدفع التي تعطيه للعمل الزراعي، هي أيضا وسيلة تتيح للمزارعين وسكان الريف التدخل في اللحظات الحاسمة، وهي في الوقت عينه وسلية فعالة لتحقيق نمو متكامل للإنسان. وأشار قداسة البابا في رسالته إلى أن الكنيسة الكاثوليكية تعتبر أيضا العمل التعاوني كوسيلة لعيش اختبار الوحدة والتضامن القادر على تخطي الخلافات والنزاعات الاجتماعية. ولهذا، أضاف يقول، لقد ساندت دوما من خلال تعليمها وعملها نموذج التعاونيات اقتناعا منها بأن نشاطها لا ينحصر بالبعد الاقتصادي فقط، إنما يساهم أيضا في النمو الإنساني، الاجتماعي، الثقافي والأخلاقي. وأكد الأب الأقدس أن التعاونيات هي علامة ملموسة لتعاضد حقيقي؛ مبدأ تضعه العقيدة الاجتماعية للكنيسة كأساس لعلاقة صحيحة بين الأشخاص، المجتمع والمؤسسات، وشدد بالتالي على أهمية تعزيز الخير المشترك وحماية حقوق الإنسان. وأضاف البابا أنه في عالم يبحث عن تدخلات ملائمة لتخطي مصاعب الأزمة الاقتصادية، وإعطاء معنى إنساني حقيقي للعولمة، تشكل خبرة التعاونيات نموذجا جديدا لاقتصاد في خدمة الإنسان. ولذا ـ قال الأب الأقدس ـ من الأهمية بمكان أن تُعد السلطات العامة على الصعيد الوطني والدولي الوسائل التشريعية كي تتمكّن التعاونيات في المناطق الزراعية من أن تكون أدوات فعالة للإنتاج الزراعي، الأمن الغذائي، وتحسين الأوضاع الحياتية. وبهذا الصدد، أمل البابا بندكتس السادس عشر في رسالته احتفالا بيوم الأغذية العالمي هذا الثلاثاء بأن تنظر الأجيال الشابة إلى مستقبلها بثقة متجددة، مع الحفاظ على الروابط مع عالم الزراعة وقيمه التقليدية.