عمل الآب والإبن

محبة، حوار، رحمة، شفاء، مغفرة

Share this Entry

إنّ يسوع المسيح ، ابن الله القدّوس المجهول من الناس في ألوهيته ، مشى مع الخطأة المعروفين من قبل الكتبة والفريسيين وعلماء الشريعة نحو يوحنا المعمدان في نهر الاردن ، ملتمساً معمودية التوبة ، وهو لم يرتكب أي خطيئة . لكنّه فعل ذلك لكي يتضامن مع الخطأة ويحمل خطاياهم ، ويتفهّمهم ، ويحاورهم حوار المحبّة الحقيقة ، من أجل أن يهديهم إلى نور الله الخلاصي ، وفي نهاية رسالته سيموت على الصليب ليفتدي ويخلّص البشرية الخاطئة من ظلام خطاياها .

في رسالة يسوع كان الحوار بين السماء والأرض ، وبين الله والبشر بالظهور الإلهي ” هذا هو إبني الحبيب الذي عَنهُ رَضِيت ” ( متى ٣ : ١٢ )، وكانت الدعوة إلى الحوار مع الله والناس ، والبشرية مع بعضها .

لقد أقام يسوع حوار المحبّة مع العديدين من الخطأة والمرضى كما يروي لنا الإنجيليون الأربعة وكشف لهم الحقيقة :

تحاور مع نيقوديمس رئيس اليهود الذي قصد يسوع ليلاً خوفاً من إنتقاد الفريسيين وملامتهم له . كان الحوار بينهما وجدانياً وشفافياً وودياً إلتماساً للحقيقة. فطلب نيقوديموس من يسوع التعليم الصحيح ” لأنّ الله أرسله معلّماً “. فحاوره يسوع عن الولادة الجديدة ، الولادة الثانية من الماء والروح من أجل الدخول في شركة مع الله والناس ( يوحنا ٣ : ١ – ٦ ).

تحاور مع زكا العشار الغارق في ثروته وظلمه ، الخاطئ والمعروف من قبل جميع الناس ، فدخل يسوع بيته وجلس إلى مائدته، مرتضياً إنتقاد الفرّيسيين في الخارج وتذمّرهم . فكان الحوار بينهما حوار توبة كاملة بلغها زكّا بفرح ، مما جعل يسوع يقول امام الجميع علناً : ” اليوم حصل الخلاص لهذا البيت ، فهو أيضاً ابن إبراهيم . لإن ابن الإنسان جاء ليبحثَ عن الهالِكِ فيُخَلِّصه ” ( لوقا ١٩ : ٩ )

تحاور مع المرأة الكنعانية في نواحي صور وصيدا ، حواراً قاسياً وجارحاً ، ولكن ، كان حواراً بطوليًاً ، إذ اندهش يسوع من إيمان هذه المرأة الوثنيّة التي جاءت فسجدت له وقالت : ” أغثني يارب ” ، فأجابها يسوع : ” لا يَحسُنُ أن يؤخذ خُبز البنين فيُلقى إلى صغار الكلاب ” . فأجبته : ” نعم يارب ، فصغار الكلاب نفسُها تأكُل من الفتات الذي يتساقط عن موائدِ أصحابها ” . فأجابها يسوع : ” ما أعظمَ إيمانٓكِ أيّتُها المرأة ، فليكُن لكِ ما تريدين ” . فَشُفيت إبنتها في تِلكَ الساعة . نعم ، أصرّت هذه المرأة على أنّ يسوع قادر على شفاء ابنتها ، فكان الشفاء ( متى ١٥ : ٢١ – ٢٨ ).

تحاور مع السامرية على بئر يعقوب ( يوحنا ٤ : ١ – ٢٧ ) ، حواراً عميقاً إتّسّمَ بالصبر بالرغم من أنَّ المرأة رفضت أن تسقيَ يسوع ماءً من جرّتها بسبب العداوة بين السامريين واليهود . وبدأت الحوار معه بشيء من السخرية والكذب . لكنَّ يسوع واصل الحوار بهدوء وصبر ، فاكتشفت أنه هو النّبي والمسيح المنتظر، وذهبت إلى المدينة فقالت للناس : ” هلّموا فانظروا رجُلاً قال لي كُلَّ ما فعلتُ . أتُراهُ المسيح ؟ “شهدت عنه أمام أهل السامرة ، فتقاطروا إليه وآمن به الكثيرون وتبعوه .

تحاور مع الأعمى والأبرص، حوار رحمة وشفاء ، وكلاهما منبوذان من المجتمع ، فأدرك الأعمى أنّ يسوع يستطيع أن ينعم عليه بالنظر. فلمّا ناداه قائلاً : ” رُحماكَ ، يا ابن داود ، يا يسوع “، سأله يسوع : ” ماذا تريد أن أصنع لك ؟ ” قال له الأعمى : ” رابُوني ، اي يا معلّم ، أن أبصر ” . فقال له يسوع : ” إذهب ! إيمانك خلَّصكَ ” . فأبصرَ من وقته وتبعه في الطريق .(مرقس ١٠ : ٤٦ – ٥٢ ) . وكذلك الأبرص التمس الشفاء من يسوع ، فجثا وقال له : ” إن شئت فأنت قادِرٌ على أن تُبرِئني “. فأشفق عليه يسوع ومدَّ يدَهُ فلمسهُ وقال له : “قد شئتُ فأبرأ ” (مرقس ١ : ٤١ ) .

ربُّنا يسوع المسيح يدعونا إلى حوار المحبّة لبلوغ الحقيقة ، فلنسمع له . فالحوار يؤدّي إلى الخلاص ممّا نعاني منه في حياتِنا اليومية ، الزوجية منها والعائلية والإجتماعية ، في الكنيسة والعائلة والمجتمع ، وبين الشعوب والأمم . الحوار لا يتمّ بالعنف والحرب والإرهاب والسيطرة وفرض الاّراء ، بل، بالصبر والهدوء اولاً ، ثم بالفكر والقلب واللسان. عالم اليوم الذي أصبح مع العولمة والتقنيّات الإعلاميّة ” قرية كبيرة ” ، أصبح في الواقع بحاجة ماسّة إلى حوار المحبّة لكشف الحقيقة وبلوغها .

نرفع صلاتنا اليوم إلى الله ، لكي نعيش حياتِنا المسيحية بإيمان بحسب تعاليم معلمنا يسوع ، ونمارس أعمالنا في خدمة الكنيسة والمجتمع بتجرد وشفافية وإخلاص للخير العام . ولكي نحافظ على وحدتنا ونتضامن معاً لمواجهة الأخطار المحدقة بنا ، وندعو إلى نبذ العنف والحروب في العالم وحلّ السلام بالحوار والوفاق . أعطنا أيها المسيح الإله أن نقتدي بك ونسمع صوتك الداعي إلى مواصلة حوار المحبّة والحقيقة الذي بدأته ووضعت أسسه خلال رسالتك على الأرض ، لتصل بنا إلى السماء.

+ المطران كريكور اوغسطينوس كوسا
اسقف الاسكندرية للأرمن الكاثوليك

إدعم زينيت

إدعم زينيت. متوفّرة بخمس لغات، يموّلها القرّاء. إشترك تبرّع

Share this Entry

المطران كريكور أغسطينوس كوسا

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير