ترجمة ندى بطرس
لسنوات، تعلّم داميان سيلفيسترزاك التعايش مع تناقض ظاهريّ: دراسة اللاهوت بينما يشقّ طريقه في إحدى أكثر البيئات عدائيّة وتطلّباً في عالم الرياضة الاحترافيّة. لكنّه يُصرّ على أنّ هاتين المهنتَين لم تكونا منفصلتين قطّ.
في التفاصيل التي وردت ضمن مقال بقلم الأب دانتي ألبا نشره القسم الإنكليزي من زينيت، ينتمي سيلفيسترزاك (34 عاماً) إلى جيل من الحكّام الذين اعتادوا على التدقيق المستمرّ. فكلّ قرار يُعاد ببطء، ويُناقَش على شاشة التلفزيون، ويتمّ الحكم عليه على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي هذا الجوّ من التوتّر الدائم، يجد البولنديّ نقطة توازن في روحانيّته. فقَبل كلّ مباراة، يُصلّي في صمت. كما ويحمل صورة صغيرة ليسوع الرحمة الإلهيّة مع نقش “يا يسوع، إني أثق بك”. وبعد صافرة البداية، يرسم إشارة الصليب بهدوء، وهي عادةٌ حافظ عليها منذ السنوات الأولى لمسيرته المهنيّة. لا يسعى سيلفيسترزاك للحماية من الخطأ الذي لا مفرّ منه. بالنسبة إليه، هذه اللّفتة هي طريقة للتعبير عن الشكر والتّذكير بأنّ شغفه وعمله لهما معنى أعمق.
لم يكن طريقه إلى التحكيم الاحترافيّ سهلاً. أثناء دراسته اللاهوت، بدأ بإدارة مباريات إقليميّة في بولندا. كثيرون يتخلّون عن هذه المهنة قبل الوصول إلى مستويات أعلى: فالإهانات والضّغوط والوحدة جزء لا يتجزّأ من العمل اليوميّ. وقد أقرّ بنفسه بأنّه مرّ بلحظات من الإرهاق والشكّ. ومع ذلك، ثابر حتّى وصل إلى الدوري البولندي الممتاز (إكستراكلاسا)، ثمّ أصبح لاحقاً حَكَماً مُعتمداً من الفيفا. أمّا تقدّمه هذا فقد تزامن مع ازدياد شهرته الدوليّة، حيث تولّى إدارة مباريات في بطولات الاتّحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA) ونهائيّات وطنيّة، بما فيها الكأس البولندي.
في مقابلات حديثة، ذكر أنّه في المنزل يصلّي مع عائلته قبل النوم ويبارك الطعام مع أطفاله. هذه ممارسات شخصيّة، بعيدة كلّ البُعد عن أجواء الرياضة، لكنّه يعتبرها ضروريّة للحفاظ على حياة متماسكة. بالنسبة إليه، هذا المثال المنزليّ أهمّ من أيّ مبادرة علنيّة. وهذا الثبات يحمل أهمية خاصّة في بيئة غالباً ما يُحصر فيها الدين في الاحتفالات الخاصّة أو الرمزيّة، مثلاً: شدّد الفيفا تاريخيّاً قواعده ضدّ الرسائل الدينيّة الصريحة على أرض الملعب، في انتهاك لمبدأ الحياد الرياضيّ. مع ذلك، وجد سيلفسترزاك طريقة لممارسة إيمانه بدون تحويله إلى استفزاز أو دعاية. وقد أقرّ بأنّ بعض قرارات التحكيم تُسبّب له صِراعاً داخليّاً، كطرد لاعب ارتكب خطأ دون سوء نيّة، لكنّه يُدرك أنّ العدالة الرياضيّة تتطلّب الوضوح والحزم، حتّى وإن كان من الصّعب تقبّلها عاطفيّاً. ترتبط هذه الفكرة ارتباطاً وثيقاً بمنهجه اللاهوتيّ. ففي التّحكيم، كما في الحياة الروحيّة، لا يقتصر الحكم على تطبيق القواعد آليّاً، بل يتعدّاه إلى التصرّف بضمير حيّ ونزاهة تحت الضغط. يُضطرّ الحَكَم إلى اتّخاذ قرار في ثوانٍ معدودة بينما يُطالِب آلاف الناس بقرار مُغاير. ويُصبح إغراء الخوف أو الرضا بالوضع الراهن حاضراً باستمرار.
يرى سيلفسترزاك كرة القدم مدرسة لبناء الشخصيّة. فهو يؤمن بأنّ هذه الرياضة تُعلّم الانضباط والتواضع والقدرة على تقبّل الهزيمة. ويعتبر أنّ لهذه القِيم بُعداً إنسانيّاً وروحيّاً عميقاً. وقد أكّد قائلًا: “الله هو الأمل والراحة والهداية”، خلال وصفه علاقته الطويلة بالدّين.
