ترجمة ندى بطرس
أعاد اكتشافٌ ظَلَّ خفيّاً لفترة طويلة، إحياء اهتمام وحماسة الجماعة الكاثوليكيّة في سان خوان، في الأرجنتين. فقد أُعيد اكتشاف صندوق صغير يحتوي على شظايا يُعتقد أنّها من صليب يسوع المسيح بعد أكثر من 80 عاماً، وتمّ تسليمه إلى كاتدرائية المدينة خلال فترة الصوم الكبير، كما ورد في مقال بقلم إنريكي فيليغاس نشره القسم الفرنسي من موقع زينيت.
في تفاصيل أخرى، جرى هذا الاكتشاف غير المتوقّع في أواخر عام 2025 في كنيسة مدرسة سانتا روزا دي ليما، حيث عثر العاملون على صندوق زجاجيّ مختوم (مذخر)، كان مخفيّاً خلف خزانة عرض دوّارة في السكرستيا (غرفة الملابس الكهنوتية)؛ وهو صندوق بدا وكأنّه لم يُمسّ لأجيال. ووجدوا في داخله شظيّتَين صغيرتَين موضوعتَين على شكل صليب. وما بدا مجرّد قطعة أثريّة غريبة، سرعان ما تحوّل إلى موضوع تحقيق تاريخيّ وكَنَسيّ شامل. وتمكّنت السُلطات الكنسيّة، بالتعاون مع متخصّصين في توثيق الآثار، وبعد مراجعة جَرْدات أرشيف الأبرشيّة، من العودة إلى أصل الصندوق بدقّة مذهلة.

عُثر على صندوق الذخائر، الذي تمّ التعرّف عليه على أنّه “خشب الصليب” (Lignum Crucis)، في كاتدرائيّة القدّيس يوحنا، حيث كان محفوظاً منذ 1908. ووفقاً لوثائق اكتُشِفَت خلال التحقيق، وصل الصندوق بفضل جهود المطران سانسييرا، وكان مصحوباً بشهادة رسميّة صادرة من روما، تُثبت صحّته كجزء من الصليب الحقيقيّ للمسيح، المحفوظ في بازيليكا الصليب المقدّس في القدس.
أمّا اختفاؤه الذي طال أمده، والذي لم يُفسَّر، فيبدو مرتبطاً الآن بأحد أكثر الأحداث إيلاماً في تاريخ المدينة: زلزال عام 1944 المُدمِّر، الذي قضى على جزء كبير من سان خوان، بما في ذلك الكاتدرائيّة. وفي خضمّ الفوضى التي أعقبت ذلك، نُقل الصندوق، ثم وُضع في مكان للتّخزين – ونُسيَ في نهاية المطاف – في كنيسة المدرسة.
بالنسبة إلى رجال الدين المحليّين، يحمل الاكتشاف الجديد أهمّية تاريخيّة وروحيّة. فالأب أندريس ريفيروس، كاهن الكاتدرائيّة، وصفه بأنّه لحظة نِعمة حدثت في وقت بالغ الأهمية في التقويم الليتورجيّ، مُشيراً إلى أنّ الصوم الكبير فترةٌ تُخَصَّص تقليديّاً للتأمّل في آلام المسيح، ممّا يجعل عودة هذه الذخيرة المقدّسة أكثر قيمةً للمؤمنين.
في هذا السّياق، أُعيدت الذخيرة رسميّاً إلى الكاتدرائيّة يوم الجمعة 6 آذار الماضي، خلال قدّاس صباحيّ ترأسه رئيس الأساقفة المحلّي، خورخي لوزانو. لم يقتصر الاحتفال على إعادة الذّخيرة فحسب، بل شمل أيضاً إعادة دمجها في الحياة الليتورجيّة والروحيّة للجماعة.

في اللاهوت الكاثوليكيّ، تُعتبَر الذّخائر المقدّسة، كالصليب الحقيقي، علامات مقدّسة أسّستها الكنيسة لمساعدة المؤمنين على التقدّم في القداسة. وعلى عكس الأسرار المقدّسة، لا تمنح هذه الذخائر النِعمة تلقائيّاً، بل تُهّيىء المؤمنين لنيلها بالإيمان والتقوى. ولطالما اتّبعت الكنيسة إجراءات صارمة للتحقّق من صحّة الذّخائر المقدّسة، فيما تُرفق بالذّخائر الشرعيّة وثائق تُعرف باسم شهادات الأصالة، تُثبت أصلها وسلامتها.
يعود تقليد تكريم شظايا ما يُعرف بالصليب الحقيقي إلى القرون الأولى للمسيحيّة. ووفقاً لرواية قديمة، اكتُشف الصليب الذي صُلب عليه المسيح في القرن الرابع الميلادي على يد هيلانة، والدة الإمبراطور الروماني قسطنطين، خلال رحلة حجّ إلى القدس. وبمرور الوقت، قُسِّم الخشب ووُزِّع في أنحاء العالم المسيحيّ، حيث حُفِظَت الشظايا في مراكز مهمّة مثل القدس والقسطنطينية وروما. تُفسّر هذه العمليّة التاريخيّة كيف انتهى المطاف بشظايا صغيرة – غالباً ما تُحوَّل إلى قطع صغيرة جدّاً – في كنائس بعيدة عن الأرض المقدّسة، حتّى في أميركا اللاتينيّة.
