العبوديَّة بين اعتذار البابا لاوُن الرابع عشر وصرخة القدِّيس شارل دي فوكو

مسيرة طويلة من تنقية الوعي الكنسي والعودة إلى حقيقة الإنجيل

Share this Entry

ما إن قرأتُ خبر تقديم البابا لاوُن الرابع عشر اعتذارًا عن دور الكرسي الرسولي في إضفاء الشرعيّة على العبوديَّة والوارد في رسالته البابويّة الأولى “الإنسانيّة الرائعة”، وعن تقاعسه عن إدانتها لقرون، حتّى تذكرت القدِّيس شارل دي فوكو وموقفه من العبوديّة حين كان في بني عباس.
وما أعادني إلى خبرة الأخ شارل في هذا الموضوع هو جرأتُه على رفض الصمت أمام هذه الآفة في زمنٍ كان كثيرون يلتزمون فيه السكوت، وتواصله مع مطرانه والسلطات الفرنسيّة المُستعمِرة للجزائر، رافعًا الصوت ومنددًا بوحشية العبودية.

ماذا قال البابا لاوُن الرابع عشر عن هذا الموضوع؟
وصف البابا تاريخ الكنيسة في هذا المجال بأنّه “جُرحٌ في الذاكرة المسيحيَّة”، واعترف بأنّ الكنيسة سمحت في الماضي بإخضاع واستعباد الناس، كما أنّها احتاجت وقتًا طويلًا لتُدرك بشكل صريح أنّ العبوديَّة تتعارض بالكامل مع كرامة الإنسان، وأنّ المجتمع والكنيسة تأخّروا في إدانة آفة العبوديَّة:
“…وفي العصور الحديثة تَدخَّل الكرسي الرسولي الروماني، استجابةً لطلبات الملوك، عدّة مرات، لتنظيم وإضفاء الشرعية على طُرق إخضاع ‘غير المؤمنين’، وفي بعض الحالات، استعبادهم ” رقم 176
“…لهذا، باسم الكنيسة، اطلب بكل صدق المغفرة…” رقم 176
” لهذا السبب بالتحديد، فإنّ ذكرى التواطؤ والتغاضي في الماضي إزاء ظلم العبوديَّة تصير بالنسبة لنا دعوة إلى اليقظة…” رقم 177

شارل دي فوكو وموقفه من العبوديَّة
باستقباله الفقراء الأشدّ بؤسًا وتعاسةً في أُخُوَّته في بني عباس ما بين سنة ١٩٠١ و١٩٠٤، اكتشف شارل دي فوكو أوضاعهم الصعبة ومآسيهم، وأدرك الظلم الكبير المسيطر عليهم:
“…يسخّرونهم بالأعمال المُرهِقة، ويضربونهم بالعصي يوميًّا، ويحرمونهم من الطعام واللباس، وفيما اذا حاولوا الهرب، وهذا ما يحدث كثيرًا، فانّهم يطاردونهم بطلقات ناريّة دون أية رحمة…”. (من رسالة إِلى الأب هوفلان – ١٩٠٣)
لقد شارك بِسَخطِه صديقه رئيس دير سيدة الثلوج عبر رسالة نذكر بعضًا منها :
“…إنّ هذا الوضع غير مسموح به! الويل لكم أيّها المراؤون، انكم ترفعون في كلّ مكان رايات الحرية والمساواة والأُخُوَّة وحقوق الإنسان، في حين تقيِّدون العبيد بالحديد… يجب ألّا نتدخّل بأمور السلطة الدنيويّة، لا أحد مقتنع أكثر مني بذلك، ولكن يجب أن نحب العدالة ونكره الظلم…إنّ ما يحدث هو حقًا أمر غير مسموح به…”. (١٩٠٢)
في عرض الأخ شارل للمشكلة بالتفصيل على أسقفه المطران غيران، توسَّل إليه أن يتدخّل. لكنّ المطران تَخوَّف ممّا أبداه الأخ شارل من اقتراحات، وحذَّره من تحمُّسه المُحتدّ.
تقبَّل الأخ شارل ما جاء به الاسقف من توجيه، لكنه لم يخفِ عليه عدم إقتناعه بالأسباب المُعطاة له: “…لا يمكنني إلّا أن أعبِّر عن أسفي لأنّ مُمثِّلي يسوع يكتفون بالدفاع همسًا في الأذن وليس علنًا على السطوح عن قضية قوامها العدالة والمحبة…” (من رسالة إِلى المطران غيران – ١٩٠٢)
وفي رسالة لصديقه هنري دي كاستري يقول الأخ شارل : “…ما من سلطة بشريَّة لديها الحق في أن تُقيِّد بالحديد هؤلاء العبيد الذين خلقهم الله أحرارًا مثلنا…”. (١٩٠٢)

شارل دي فوكو سَبَقَ زمنه أخلاقيًًا
في وقت كانت فيه الكنيسة لا تزال تحمل آثار قرون من الغموض او التردّد تجاه ملف العبوديَّة، كان الأخ شارل يرى بوضوح أنّه لا يمكن إعلان الإنجيل مع قبول استعباد البشر، ولا عبادة المسيح مع إذلال الإنسان. لقد استبق القدِّيس شارل دي فوكو الوعي الذي ستصل اليه الكنيسة لاحقًا بصورة أوضح.
اعتذار البابا  يُظهر أنّ الكنيسة نفسها تعترف بأنّ الصمت أحيانًا كان خطأ، وأنّ التأخُّر في إدانة العبوديَّة كان جرحًا أخلاقيًّا. وهذا يتوافق مع القلق النبويّ الذي حمله الأخ شارل في حياته. إنّ ما كان الأخ شارل يصرخ به روحيًّا وانجيليًّا في صحراء الجزائر، تعترف به الكنيسة اليوم على المستوى المؤسّسي. فالأُخُوَّة الشاملة التي عاشها الأخ شارل تتعارض جذريًّا مع العبوديَّة إذ هي بالنسبة له تُمثِّل تناقضًا مباشرًا مع الإنجيل.

نمو الوعي داخل الكنيسة
بين صرخة القدِّيس شارل دي فوكو في الصحراء منذ ١٢٤ عامًا، واعتذار البابا لاوُن الرابع عشر، تمتدّ مسيرة طويلة من تنقية الوعي الكنسي والعودة إلى حقيقة الإنجيل، فلا يمكننا عيش محبة المسيح دون الدفاع عن كرامة الإنسان .
ما أدركه شارل دي فوكو بروح الإنجيل قبل أكثر من قرن، تعترف الكنيسة اليوم بحاجتها إلى قوله بوضوح:
“كلّ إنسان هو أخ، ولا مكان للعبوديَّة في قلب المسيحيَّة”.

إدعم زينيت

إدعم زينيت. متوفّرة بخمس لغات، يموّلها القرّاء. إشترك تبرّع

Share this Entry

فداء بطرس

أخوّة شارل دو فوكو العلمانيّة، لبنان

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير