يسأل الكثير منّا نفسه فيقول لماذا أنا وغيري لا؟
ماذا حدث لي؟ وما هي المستجدّات التي دفعتني إلى هذا التغيير المفاجئ؟
فجأًة توقّف كلّ شيء وأظلمت الدنيا في وجهي وأغلقت أبوابها.
هذه التساؤلات كلّها صحيحة ولا بدّ منها لأنّها تشير في بادئ الأمر إلى أمرٍ ما مُستجدّ في حياتي لم أعتِد عليه.
إذا كان موقفي هو التفكير بهذه الطريقة، فيجب عليّ ألّا أقف مكتوف اليدين وأندب حظّي، بل أنطلق من جديد ” الواقف فليحذر أن يسقط، وإن سقطَ فليذكرْ من أين سقطَ ويقوم”، تذكر محبتك الأولى ولتبدأ من جديد، فهوذا الكل قد صار جديدًا.
ليعلم الإنسان أنّه، في مسيرة حياته وفي سلوك درب النجاح، سيواجه الكثير من المعوقات والصعوبات وأيضًا المزيد من الأمور المشجّعة والمحفّزة له ليبلغ الهدف الذي وضع نُصب عينيه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، من يسير في طريق النجاح، كمَن يملك حديقة غالية جدًّا وفيها ما لذّ وطاب وهو يحرص على حمايتها من اللصوص فيسيّجها بالأشواك، فمَن أراد دخولها، عليه اجتياز الاشواك. هكذا، من يريد النجاح، لا بدّ له من التغلّب على الأشواك واجتياز المهام الصعبة التي تواجهه لأنّ النجاح في الحياة يقوم أساسه على المرونة وقبول الوضع من دون تذمّر. بمعنى مختصر محرّك النجاح هو التكيُّف وليس التجمّد، هو التكيُّف مع مستجدّات السير في هذا الدرب الذي ينفتح أمامنا بشكل يلائم ما نتوق إليه ونطمح إلى تحقيقه.
تتطلّب الحياة الناجحة والمستقيمة من الشخص المزيد من البذل والعطاء وتكريس المجهود، واتّخاذ الاتّجاه ذا الهدف الواحد من دون تشتّت، ومراجعة الذات والتوبة عن “الشطارة” الكاذبة التي تلعب دورًا أساسيًّا في تكوين الشخصيّة. وفي هذه الحالة الأخيرة، يُقال عن مثل هذا الإنسان إنّه كاذب أو طمّاع أو غير أمين، فلا يتعجّب إذًا، عندما يسقط، ويتساءل لماذا؟ وما الذي حدث؟ ولمَ أنا؟…
أمام المشكلات الكثيرة المنتشرة حولنا، والتي تظهرفي ما يعاني منه البعض أي انخفاض الثقة بالنفس وفقدان تقدير الذات نتيجة الشعور المستمرّ بأنّ التطوّر أسرع من قدراتنا، وما ننجزه غير كافٍ، تأتي أهمّيّة العمل الجادّ على تقدير الذات وتعزيزها بالإيمان بأنفسنا وقدرتنا على المواجهة والتخطّي، فلكلّ فردٍ منّا ميزاته الخاصّة التي لا تُلغى بالتغيّرات.
لا تستقيم حياة إن خلَتْ من المتاعب، بل تنجح الحياة وتتّصف بالصلاح، إن واجهت المصاعب والتزمت بالخير. هنا، يتحقّق حُلم الفرد وطموحاته كافّة، وعندها يكتشف أنّه تحوّل من حالة اليأس والنفسيّة المحطّمة إلى الأمل والرجاء والنفسيّة المتّزنة المرنة، فيدخل مرحلة جديدة تتصّف بمعرفة اتّخاذ القرار والتعامل مع الآخرين بصدق وشجاعة والتحوّل من الشطارة الكاذبة الى المهارة.
القدرة على التكيّف مع هذه المتغيّرات في الظروف التي تواجه الحياة يمكن أن تصنع الفارق بين الاستسلام للوضع أو الخروج أقوى منه، فالحياة، بطبيعتها، هي رحلة شاقّة طرقها غير متوقَّعة لأنّها مليئة بالتقلّبات، والمطبّات المفاجئة. لكنّ الإرادة مع العزيمة والقصد الثابت في وسط الشكوك والصراعات والمنافسات والرغبات، تزيد القدرة على التكيّف بالصمود والإصرار على عبور العراقيل والصعوبات. وهذا يتطلّب الاستعداد والانفتاح على الأفكار والتجارب الجديدة وتعلّم كيفيّة تجاوز عاصفة التغيير من دون فقدان التوازن.
المرونة التى هي ليست فقط عن التعافي، إنما الأتية عن تجربة تشكل نوع من النمو، كالحصول على المعنى والهدف، والوعي الذاتي أو تحسين العلاقات الشخصية.
كُن مرنًا فالمرونة النفسيّة هي القدرة على مواجهة الصعوبات، والتأقلم مع التغيّرات بالقدرة ليس فقط على تجاوز الأزمات، بل على التعلّم من التجارب الصعبة، وتحويلها إلى فرص للنموّ والنجاح “فالأكثر مرونة هو الأكثر تحكّمًا”.
الأب انطونيوس مقار إبراهيم
راعي الأقباط الكاثوليك في لبنان
