” في وليمةِ العشاء الأخير، أحبَّ الرّبُّ خاصّتَه منتهى الحبّ، غسلَ أرجلَ الرّسل، وحوّل الخبزَ، والخمرَ إلى جسدِه، ودمه، غذاءً لنفوسِنا، كي يبقى معَنا إلى منتهى الدّهر…
هكذا يجب أن تكونَ موائدُ المسيحيّين، موائد الرّبّ… تدعو إليها ثلاثُ سيّدات:
الدّيانة، والتّوبة، والمحبّة.”
“أبونا يعقوب الكبّوشيّ…”
إنّها مائدة الحبّ الّذي تُعَدُّ بالصّلاة، والإماتة…
مائدة فاخرة تتصاعدُ منها رائحةُ أطباقٍ أعدّها التّفاني، والرّجاء…
يرى أبونا يعقوب أنّ المائدة المسيحيّة تُعدّها الدّيانة، والتّوبة، والمحبّة…
الدّيانة: يرفعُ المسيحيُّ قلبَه نحو الله، ويصلّي قبلَ تناولِ الطّعام، وبعدَه. يشكرُ الرّبَّ على نعمةِ الطّعام لكي يحفظ حياتَه الأرضيّة، يشكرهُ من خلال يسوع الّذي بارك الخبز، والخمر.
الإماتة: يدعو أبونا يعقوب المسيحيَّ إلى تناولِ ما يحتاجُه جسده، ويدعوه إلى ممارسةِ الإماتة، والاكتفاء بما يلزم، إكرامًا لآلام ربّنا يسوع.
المحبّة: يدعو الطّوباويّ المسيحيَّ إلى التّفكير بأخيهِ الجائع، ويرى أنّ تناولَ الطّعام يتطلّب الأدب، والسّموّ إلى عالم النّفس المخلوقة لحياةٍ أسمى من حياة الأرض. ” اطلبوا أوّلًا ملكوت الله، وبرّه، وكلّ ما بقي يُزادُ لكم.” (متّى6: 33)
إنّها مائدة الحبّ…فالحبُّ صلاةٌ، وإماتة، وبذل الذّات…
المائدة الحقيقيّة لا تقوم على الأنانيّة، والشّراهة، حيث يسعى كلّ إنسان إلى أن يأخذ لنفسه، بل تقوم على فرحِ العطاء، والمشاركة…
” التّقشّف الحقيقيّ لا يُفقِرُ الإنسان، بل يُحرّره، ويزيدُ الشّهادة المسيحيّة قوّةً، وأصالة.” (البابا لاون الرّابع عشر)
مائدة تجسّدُ صورةً حيّةً عن محبّة الله…
مائدة بعيدة عن الشّراهة، تعلّمُنا أنّ الحبَّ لا يُقاس بما نمتلك، بل بما نبذل. أن أضع حصّتي جانبًا لأترك للآخر مكانًا، أن أشارك الجائع خبزي، وأن أرى في حاجات أخي دعوةً إلى المحبّة؛ كلّ ذلك يجعل من المائدة مِساحةً لعيش فرحِ الكلمة، كلمة الرّبّ.
فالإفخارستيّا تكشف لنا أنّ أسمى أشكال المحبّة تحويل العطاء إلى بذل الذّات: «خذوا كلوا، هذا هو جسدي» (متّى 26:26)، حيثُ يصبح الطّعام علامةً عن الحبّ الّذي لا يحتفظ بذاته لنفسه، بل يهب ذاته من أجل خلاصِ الآخرين.
لذلك، المائدة المسيحيّة ليست مائدة فاخرة تُشبع نَهَمَ الجسدِ فقط، بل مائدة سخاءٍ تُغذّي القلب، والرّوح…
حولها نتعلّم أن نخدم، وأن نُصغي، وأن نترك مكانًا للآخر. فحين يغيبُ الجشع، وتحضرُ المحبّة، وحين تتراجعُ الأنانيّة، ويتقدّم العطاء، تتحوّل المائدةُ إلى صورةٍ مصغّرة عن ملكوت الله: خبز يُقسَّم، وقلب يُعطى، وحبّ يصير بذلًا للذّات.
