أيها الإخوة والأخوات،

يوم واحد يفصل هذا الأحد الرابع من زمن المجيء عن الميلاد. مساء يوم غد سنجتمع لنحتفل بسر المحبة العظيم الذي يستمر بإذهالنا. أصبح الله ابن الإنسان، ليصير الإنسان ابن الله. خلال زمن المجيء، خرج من قلب الكنيسة نداء: "تعال أيها الرب لزيارتنا، بسلامك وحضورك تملأنا فرحاً". وما رسالة الكنيسة التبشيرية سوى جواب على هتاف: "تعال أيها الرب يسوع" التي عبرت تاريخ الخلاص ولا تزال ترتفع من شفاه المؤمنين.

تعال أيها الرب وحوّل قلوبنا، لكي يعم العالم العدالة والسلام. إن المذكرة العقائدية حول بعض أوجه التبشير التي صدرت عن مجمع عقيدة الإيمان تذكّر المسيحيين – في وقت لم تعد فيه غاية التبشير واضحة – بأن البشرى السارة تدفع من يتلقاها الى نقل الخلاص للآخرين.

إن الحقيقة التي تخلص الحياة، والتي أصبحت جسداً في يسوع، تضرم قلب من يتلقاها بمحبة تجاه القريب تدفع الإنسان الى إعطاء ما تلقاه بمجانية. إن عيشنا بحضورالله، الذي بات قريباً منا بالميلاد، هو العطية الأسمى، عطية قادرة أن تجعلنا نعيش مع أصدقاء الله، في شبكة الصداقة بالمسيح الذي علّق السماء بالأرض، والذي يقود حرية الإنسان نحو ملئها، لكيما إذا ما نمت في الحق، أزهرت في محبة مجانية لخير البشرية جمعاء. ما من شيء أجمل وأهم من أن يعطي الإنسان مجاناً ما حصل عليه من الله.

لا يمكن لأي شيء أن يفصلنا عن هذه المهمة السامية. إن فرح الميلاد الذي يملؤنا رجاء، يدفعنا الى إعلان وجود الله بيننا للجميع.

العذراء مريم هي مثال البشارة الحقيقية، فهي لم تبشر العالم بفكرة بل أعطته يسوع، الكلمة المتجسد. فلنسألها بثقة لتساعد الكنيسة في إعلان المسيح المخلص في عصرنا. فليشعر كل مسيحي وكل جماعة بفرح مشاركة البشرى السارة : لقد أحب الله العالم لدرجة انه أعطى ابنه الوحيد ليخلص العالم بواسطته.

هذا هو المعنى الحقيقي للميلاد، الذي من الواجب أن نكتشفه من جديد وأن نعيشه باستمرار.

(ترجمة طوني عساف)

تعليم الأربعاء لقداسة البابا بندكتس السادس عشر

الفاتيكان، 28 نوفمبر2007 (ZENIT.org). – ننشر في ما يلي التعليم الذي تلاه قداسة البابا بندكتس السادس عشر في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان.

* * *

القديس افرام السرياني

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء!

بحسب الرأي السائد اليوم، يتم اعتبار المسيحية دينًا أوروبيًا، قام بنشر ثقافة هذه القارة في دول أخرى. ولكن واقع الأمور أكثر تعقيدًا، لأن جذور الدين المسيحي هي في العهد القديم وبالتالي في أورشليم وفي العالم السامي. والمسيحية تتغذى على جذر العهد القديم هذا. وكذلك انتشاره في العصور الأولى، تم في اتجاه الغرب – نحو العالم اليوناني واللاتيني، حيث ألهم الثقافة الأوروبية – وفي اتجاه الشرق، وصولاً إلى بلاد الفرس، والهند، مسهمًا بذلك في قيام ثقافة خاصة، ساميّة اللغة، ذات هوية خاصة.

 لإظهار تعدد وجوه إيمان فجر المسيحية، تحدثت في تعليم الأربعاء الماضي عن ممثل لهذه المسيحية الأخرى، أفرهاط الحكيم الفارسي، الذي نعرف القليل عنه.

 في الخط عينه أود أن أتحدث اليوم عن القديس افرام السرياني، الذي ولد في نصيبي نحو العام 306 في عائلة مسيحية. هو أكبر ممثل للمسيحية السريانية وقد تمكن أن يوفق بين دعوته كلاهوتي وكشاعر.

 تنشأ ونما بالقرب من يعقوب، أسقف نصيبي (303 – 338)، وأسس معه المدرسة اللاهوتية في مدينته. سيم شماسًا، وعاش يعمق حياة الجماعة المسيحية حتى عام 363، السنة التي وقعت فيها نصيبي بيد الفرس. وعندها هاجر إلى أديسا، حيث تابع رسالته كواعظ. مات في هذه المدينة عام 373، ضحية الطاعون الذي أصيب بعدواه خلال عنايته بمرضى الطاعون.

 لا نعرف بالتأكيد هل كان راهبًا أم لا، ولكن على كل حال، من المؤكد أنه بقي شماسًا طيلة حياته وقد اعتنق البتولية والفقر. وهكذا تظهر في خصوصية تعبيره الثقافي الهوية المسيحية المشتركة والأساسية: الإيمان، الرجاء – هذا الرجاء الذي يؤهل المرء أن يعيش فقيرًا وعفيفًا في هذا العالم، واضعًا كل تطلعاته في الرب – وأخيرًا المحبة، وصولاً إلى هبة الذات في عنايته بمرضى الطاعون.

 لقد ترك لنا القديس افرام إرثًا لاهوتيًا ضخمًا: يمكننا أن نقسم مؤلفاته اللاهوتية إلى 4 أقسام: كتابات وضعت في نثر عادي (الكتابات الجدلية، أو التفاسير البيبلية)؛ كتابات في نثر شعري؛ عظات في بيوت شعرية؛ وأخيرًا الأناشيد، وهي أوسع مؤلفات افرام.

 افرام السرياني مؤلف غني ومشوق لأسباب عدة، وخصوصًا من الناحية اللاهوتية. خصوصية كتاباته هي أن اللاهوت والشعر يلتقيان فيها. وإذ نتقرب من كتاباته، علينا أن نصر على هذا الأمر منذ البدء: أي أنه يؤلف اللاهوت ببنية شعرية. يؤهله الشعر أن يتعمق في التفكير اللاهوتي من خلال المفارقات والصور. في الوقت عينه يصبح اللاهوت ليتورجية، يضحي موسيقى.

 كان بالحقيقة مؤلفًا موسيقيًا كبيرًا، كان موسيقارًا كبيرًا. اللاهوت، التفكير بالإيمان، الشعر، الغناء، وتسبيح الله تتماشى سوية؛ وفي هذا الطابع الليتورجي بالضبط، تتجلى في لاهوت افرام بشكل صافٍ الحقيقة اللاهوتية.

 في بحثه عن الله، وفي عمله اللاهوتي، يتبع افرام درب المفارقة والرمز. تحظى لديه الصور المتعارضة بتفضيل كبير، لأنها تفيد في التشديد على سر الله.

 لا يمكنني أن أقدم الكثير من مؤلفاته، وذلك نظرًا لصعوبة ترجمة الشعر، ولكن لكي نعطي أقله فكرة عن لاهوته الشعري، أود أن أستشهد بشكل جزئي بنشيدين. وخصوصًا، نظرًا لدنو زمن المجيء، أعرض عليكم بعض الصور المختارة من أناشيد “في ميلاد المسيح”. أمام العذراء، يعبر افرام بشكل ملهم عن دهشته: