خطاب الأب الأقدس بندكتس السادس عشر لدى لقائه بالرئيس النمساوي والدبلوماسيين في الهوفبورغ

فيينا، 9 سبتمبر 2007 (ZENIT.org). – ننشر في ما يلي الخطاب الذي ألقاه الأب الأقدس بندكتس السادس عشر لدى لقائه بالرئيس النمساوي هاينس فيشر والدبلوماسيين في الهوفبورغ في فيينا.

Print Friendly, PDF & Email
Share this Entry

فخامة الرئيس الفدرالي،

سعادة رئيس مجلس النواب،

سعادة المستشار الفدرالي،

سعادة أعضاء الحكومة الفدرالية،

أصحاب السيادة النواب في البرلمان الوطني وأعضاء مجلس الشيوخ،

حضرات السادة رؤساء المحافظات،

حضرات السادة ممثلي السلك الدبلوماسي،

سيداتي وسادتي!

 مقدمة

إنه لفرح كبير ولفخر عظيم أن ألتقي اليوم بحضرتكم، فخامة الرئيس الفدرالي، وأعضاء الحكومة الفدرالية، وسائر ممثلي الحياة السياسية والعامة في الجمهورية النمساوية. في هذا اللقاء في الهوفبورغ تنعكس العلاقات الطيبة والثقة المتبادلة التي تجمع دولتكم والكرسي الرسولي. وهذا الأمر يفرحني جدًا.

تدخل العلاقات بين الكرسي الرسولي والنمسا في إطار شبكة العلاقات الدبلوماسية الكبيرة التي تجد في مدينة فيينا تقاطع طرق هام، لتواجد مراكز المنظمات الدولية المختلفة فيها.

يسرني أن أرى حضور الكثير من الممثلين الدبلوماسيين، وإليهم أوجه أصدق تحياتي.

أشكركم، أيها السادة السفراء، لأجل التزامكم لا في خدمة الوطن ومصالحه وحسب، بل أيضًا لالتزامكم في خدمة قضية السلام المشتركة والتفاهم بين الشعوب.

تشكل هذه الزيارة بالنسبة لي الأولى من نوعها كأسقف روما وراعي الكنيسة الكاثوليكية الجامعة الأعلى، ولكني أعرف هذا الوطن منذ زمن بعيد وقد زرته مرات عدة.

واسمحوا لي أن أقول لكم: إنه فرح جمّ لي أن أكون هنا. لدي الكثير من الأصدقاء هنا، وكجار من بافاريا، أشعر بقرب من طريقة عيش التقاليد النمساوية.

لقد زار سلفي العظيم والطوباوي الذكر البابا يوحنا بولس الثاني النمسا 3 مرات. وفي كل مرة تم استقباله من قبل سكان هذه الدولة بحرارة كبيرة، وقد تم الاستماع بانتباه إلى كلماته، وتركت زياراته الرسولية علاماتها.

 النمسا

لقد حققت النمسا في السنوات والعقود الأخيرة نجاحات لم يكن أحد في الجيلين السابقين يجرؤ أن يحلم بها. فدولتكم لم تعش فقط تقدمًا اقتصاديًا ملحوظًا، بل طورت أيضًا تعايشًا اجتماعيًا نموذجيًا، بحيث أصبحت عبارة “التعاضد الاجتماعي” مرادفًا له.

ويتمتع النمساويون بكل الشروط ليعيشوا العرفان نحو هذا الأمر، وهم يعبّرون عنه من خلال انفتاح قلبهم نحو الفقراء والمحتاجين في وطنهم، وأيضًا من خلال سخائهم عندما يتعلق الأمر بالتعاضد في أزمنة الكوارث والنوائب في العالم. إن مبادرات “نور في الظلمة”، وقبل الميلاد “قرب في الحاجة”، هي شهادة جميلة عن هذه المشاعر.</p>

 النمسا وتوسيع أوروبا

نجدنا هنا في مرتع تاريخي، تمركزت فيه لقرون عدة إدارة امبراطورية جمعت أقسامًا كبيرة من أوروبا الوسطى والشرقية. إن هذا المكان وهذه الساعة يقدمان مناسبة مؤاتية لكي نسلط أنظارنا على كامل أوروبا المعاصرة. فبعد أهوال الحرب واختبارات التوتاليتارية والديكتاتورية المأساوية، استقلت أوروبا مسيرتها نحو وحدة القارة، رغبةً بتأمين سلام طويل الأمد وتطور عادل. إن الانقسام الذي مزّق القارة بشكل مؤلم لعقود، قد تم تخطيه سياسيًا، ولكن الوحدة لا تزال ضرورة يجب تحقيقها في فكر وقلوب الأشخاص.

بالرغم من أنه بعد سقوط النظام الشيوعي عام 1989، خابت بعض الآمال الزائدة، ويمكن توجيه انتقادات صائبة بوجه بعض المؤسسات الأوروبية، تبقى عملية التوحيد عملاً عظيم النتائج بالنسبة لهذه القارة التي كانت قبلاً متهرئة بسبب الصراعات الدائمة وحروب القتل المشؤومة بين الإخوة، إذ حمل التوحيد إلى القارة حقبة سلام كانت مجهولة منذ أمد بعيد.

وبالأخص في بلدان أوروبا الوسطى والشرقية، تشكل المشاركة في هذه العملية زخمًا لتوطيد الحرية، والقانون والديمقراطية.

من الواجب أن نذكر في هذا الصدد الإسهام الذي قدمه سلفي البابا يوحنا بولس الثاني في هذه العملية التاريخية. فحتى النمسا التي تقع على الحدود بين الشرق والغرب حينها، كصلة وصل، ساهمت بشكل بعيد في هذه الوحدة، وقد نالت من هذا التوحيد – لا يجب أن ننسى هذا الأمر – خيرًا جمًا.

 أوروبا

 إن “البيت الأوروبي”، كما يطيب لنا أن ندعو جماعة هذه القارة، ستكون للجميع مرتعًا تحلو الإقامة فيه فقط إذا ما بني على أسس ثقافية وأخلاقية متينة هي القيم المشتركة التي نستخلصها من تاريخنا ومن تقاليدنا. لا يمكن لأوروبا أن تتنكر لجذورها المسيحية. فهذه الجذور هي عنصر ديناميكي في حضارتنا ضروري للقيام بمسيرة الألفية الثالثة. لقد أعطت المسيحية بنية عميقة لهذه القارة: وتشهد لذلك في كل الدول وبشكل خاص في النمسا الكنائسُ الكثيرة جدًا والأديار المهمة. ويتجلى الإيمان فوق كل شيء بالأشخاص الكثيرين الذين في مجرى التاريخ وحتى الآن، حملوا إلى حياة رجاء وحب ورحمة.

ماريازيل، المزار الوطني النمساوي العظيم، هو في الوقت عينه، نقطة لقاء بين عدة شعوب أوروبية. إنه أحد الأماكن التي تشرب فيها الناس وما زالوا “قوة من العلاء” من أجل حياة مستقيمة.

في هذه الأيام أيضًا، يتم التعبير عن شهادة الإيمان المسيحي في وسط أوروبا من خلال “الجمعية المسكونية الأوروبية الثالثة” في سيبيو-هرمانشتات (رومانيا) بعنوان: “نور المسيح ينير الجميع. رجاء تجدد ووحدة في أوروبا”. يتوارد عفويًا ذكر “اليوم الكاثوليكي” في وسط أوروبا في العام 2004، بعنوان “المسيح – رجاء أوروبا”، الذي جمع الكثير من المسيحيين في ماريازيل!

نتحدث اليوم كثيرًا عن طراز العيش الأوروبي. ويُعنى بهذا النظام
الاجتماعي الذي يربط بين الفعالية الاقتصادية والعدالة الإجتماعية، والتنوع السياسي مع التسامح، والليبرالية مع الانفتاح، ولكن أيضًا المحافظة على القيم التي تمنح هذه القارة موقعها الخاص. إن هذا الطراز، في ظل التأثيرات الاقتصادية الحديثة، يجد نفسه أمام تحدٍ كبير.

لا يمكن الحد من ظاهرة العولمة التي يجري الحديث عنها كثيرًا، ولكن هنالك واجب طارئ ومسؤولية سياسية كبيرة وهي أن يعطى للعولمة شروطًا وحدودًا مناسبة لمنع تحقيقها على حساب الدول الفقيرة وفقراء الدول الغنية، وعلى حساب الأجيال المستقبلة.

بالطبع لقد عاشت أوروبا وتألمت بسبب طرق خاطئة. ومن بين هذه الطرق: التقييد الإيديولوجي الفلسفي، والعلمي وحتى الإيماني، استغلال الدين والعقل لأهداف إمبريالية، انحطاط الإنسان من خلال المادية النظرية والعملية، وأخيرًا انحطاط التسامح في إطار لا مبالاة خالية من المبادئ الثابتة. ولكن من خصائص أوروبا أيضًا القدرة على النقد الذاتي الذي يميزها ويعطيها طابعها الخاص في بانوراما ثقافات العالم.

 الحياة

 إن مفهوم الحقوق البشرية قد رأى النور للمرة الأولى في أوروبا. الحق البشري الأساسي، الذي هو ركيزة باقي الحقوق، هو الحق بالحياة نفسها. وهذا ينطبق على الحياة من لحظة الحمل إلى النهاية الطبيعية. وبالتالي، لا يمكن اعتبار الإجهاض حقًا بشريًا – إنه عكس الحق البشري. إنه “جرح اجتماعي بالغ”، كما كان أخانا الكاردينال الراحل فرانس كونغ يردد دون كلل.

وفي كلامنا عن هذا الموضوع لا نعبّر عن اهتمام كنسي بحت. لا نقدم أنفسنا كمحامين عن الحاجة الإنسانية العميقة ونشعر بأننا ناطقون باسم الأجنة التي لا صوت لها. لا أغمض عيوني أمام مشاكل ونزاعات الكثير من النساء، وأعرف أن مصداقية خطابنا تعتمد أيضًا على ما تقوم به الكنيسة نفسها لمساعدة النساء التي تعاني المصاعب. لذا أتوجه إلى المسؤولين السياسيين لكي لا يسمحوا بأن يتم اعتبار الأبناء كمرض، أو أن يتوقف القانون عن اعتبار الإجهاض أمرًا جائرًا. أقول هذا مدفوعًا من القلق بشأن القيم الإنسانية.

ولكن هذا ما هو إلا وجه مما يقلقنا. الوجه الآخر هو القيام بكل ما هو ممكن لكي نجعل الدول الأوروبية من جديد منفتحة أكثر على قبول الأطفال. شجعوا الشباب، لكي يؤسسوا، من خلال الزواج، عائلات جديدة، ويصبحوا آباء وأمهات! بهذا تؤدون خدمة خيرة لهم وللمجتمع أيضًا.

نثبتكم بقوة في اهتمامكم السياسي من أجل تعزيز الظروف التي تسمح للأزواج الشباب أن يربوا أولادهم. ولكن كل هذا لن يجدي نفعًا إذا لم نتمكن، من جديد، من خلق مناخ من الفرح والثقة بالحياة في بلادنا، حيث يتم النظر إلى الأطفال لا كعبء بل كعطية للجميع.

يشكل النقاش حول “المساعدة العملية على الموت” قلقًا كبيرًا بالنسبة لي. هناك الخوف من أن يتم تطبيق ضغط غير معلن، لا بل ظاهر، على المرضى والمسنين، لكي يطلبوا الموت أو لكي يسعوا إليه بنفسهم. الجواب الصحيح على الألم في نهاية الحياة هو الانتباه المحب، والمرافقة نحو الموت – خصوصًا من خلال مساعدة الأدوية المسكّنة – وليس من خلال “المساعدة العملية على الموت”.

ولكن لكي نقوم بمرافقة إنسانية نحو الموت، يجب القيام بإصلاح هيكلي عاجل للنظام الصحي في كل أبعاده، وتنظيم هيكليات مساعدة. ومن ثم يجب القيام بخطوات عملية: عبر المرافقة النفسية والرعوية للأشخاص الذين يعانون من أمراض مميتة، وللمنازعين، ولأهلهم، وللأطباء وهيئة العناية الطبية.

في هذا الإطار، تقوم ” Hospizbewegung ” بدور كبير. لكن لا يمكن أن يتم تكليفها بمجمل هذه المهام لوحدها. يجب أن يكون هنالك الكثير من الأشخاص، ويجب تشجيعهم على تقديم خدماتهم دون الاكتراث بالوقت أو بالمصاريف في خدمة المحِبّة للمرضى والمنازعين.

 حوار العقل

 من مجمل التراث الأوروبي، هنالك تراث من التفكير، يحمل ترابطًا جوهريًا بين الإيمان والحقيقة والعقل. نحن أمام السؤال عما إذا كان العقل مبدأ كل الأشياء وركيزتها أم لا. نحن بصدد مسألة عما إذا كانت الصدفة أو الضرورة ركيزة الوجود، وبالتالي عما إذا كان العقل حصيلة ثانوية للاعقلانية، وأن يكون، في آخر المطاف، لا معنى له في محيط اللاعقلانية، أو بعكس ذلك عما إذا كان حقيقيًا ما يشكل قناعة جوهرية في الإيمان المسيحي: “في البدء كان الكلمة (اللوغوس)” – في ركيزة كل الأشياء هنالك عقل الله الخالق الذي أراد أن يشركنا نحن البشر بذاته.

اسمحوا لي أن أستشهد في هذا الإطار بيورغن هابرماس، أي بفيلسوف لا ينتمي إلى الإيمان المسيحي: “لم تكن المسيحية مجرد حافز في إطار الوعي الذاتي المعياري في الزمن الحديث. فالمساواة الشمولية، الذي منه انبعثت فكرة الحرية والتعايش المتعاضد، هي إرث مباشر من العدالة اليهودية وأدبيات الحب في المسيحية. لقد قامت الشعوب باعتناق هذا الإرث، الذي لم يتحول في جوهره، تكرارًا ومجددًا بشكل نقدي وعبر تفسير جديد. فحتى اليوم لا يتوفر أي خيار آخر”.

 واجبات أوروبا في العالم

 انطلاقًا من فرادة دعوتها، تحمل أوروبا مسؤولية فريدة في العالم. في هذا الصدد، يجب عليها قبل كل شيء ألا تتخلى عن نفسها. إن القارة التي تسير بسرعة نحو الشيخوخة من الناحية الديموغرافية  لا يجب أن تصبح قارة عجوزًا روحيًا. ومن ثم، ستنال أوروبا وعيًا أكبر لذاتها إذا ما تحملت مسؤوليتها في العالم التي تطابق تقليدها الروحي الفريد، وقدراتها الفائقة وقوتها الإقتصادية الكبيرة.

على الاتحاد الأوروبي أن يقوم بدور رائد في الحرب ضد الفقر في العالم والالتزام في سبيل السلام.

يمكننا أن نلاحظ بعرفان كيف أن الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية هي من أكبر المساهمين في النمو الدولي، ولكن عليها أن تُفعّل أهميتها السياسية، على سبيل المثال، من أجل الجواب على التحديات الطارئة التي تطرحها إفريقيا، والمآسي الكبيرة في تلك القارة، كوقر مرض انعدام المناعة (الأيدز)، والوضع في إقليم دارفور، والاستغلال الظالم للمقدرات الطبيعية وتجارة السلاح المثيرة للقلق.

وأيضًا، لا يمكن للالتزام السياسي والدبلوماسي في أوروبا وفي دولها أن ينسى الوضع الخطر المستمر في الشرق الأوسط، حيث ينبغي أن يسهم الجميع في تعزيز رفض العنف، والحوار المتبادل والتعايش السلمي. يجب أن تنمو أيضًا العلاقات مع دول أمريكا اللاتينية ودول القارة الآسيوية، من خلال علاقات تبادل سوية.

 خلاصات

 فخامة رئيس الدولة الفدرالي، سيداتي وساداتي الكرام! إن النمسا دولة غنية بالكثير من البركات: جمالات طبيعية عظيمة تجذب سنة تلو الأخرى ملايين من الأشخاص لإقامة نقاهة؛ غنىً ثقافي لا مثيل له، نشأ وتجمع على مدى أجيال عديدة؛ الكثير من الأشخاص الموهوبون فنيًا والكثير من القوى الخلاقة. يمكننا أن نرى في كل مكان شهادات عن الخدمات التي يقدمها اجتهاد ومواهب الشعب العامل.

ولكن بالتأكيد، ليست النمسا “جزيرة ناعمة” ولا هي تعتقد بأنها كذلك. النقد الذاتي يفيد دومًا، ومن دون شك، هو منتشر أيضًا في النمسا.

إن دولة نالت الكثير، عليها أن تعطي الكثير أيضًا. يمكنها أن تعتمد كثيرًا على نفسها وأن تطالب نفسها بمسؤولية معينة تجاه الدول المجاورة، وأوروبا والعالم.

الكثير مما تملكه النمسا، تدين به للإيمان المسيحي ولفعاليته الغنية في الأشخاص. لقد صاغ الإيمان بشكل قوي طبع هذه الدولة وسكانها. لذا يجب ألا يُسمح في هذه الدولة أن يأتي ربما يوم تتحدث فيه الحجارة فقط عن المسيحية! إن النمسا دون إيمان مسيحي حي لن تكون النمسا.

أتمنى لكم جميعًا ولكل النمساويين، وخصوصًا للمسنين والمرضى، وللشباب أيضًا الذين تمتد الحياة أمامهم، الرجاء والثقة، الفرح والبركة من الله!

 

ترجمة وكالة زينيت العالمية (ZENIT.org)

حقوق الطبع محفوظة: دار النشر الفاتيكانية – 2007

Print Friendly, PDF & Email
Share this Entry

ZENIT Staff

فريق القسم العربي في وكالة زينيت العالمية يعمل في مناطق مختلفة من العالم لكي يوصل لكم صوت الكنيسة ووقع صدى الإنجيل الحي.

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير