اللاهوت والناسوت في شخص يسوع

القسم الخامس – الجزء الأول

Share this Entry

إنّ المدرسة التي كانَ ينتمي إليها نسطوريوس ، هي المدرسة الأنطاكيّة التي تختلفُ عن مدرسة خصمهِ ، بطل مجمع أفسُس ، وهو القديس كيرلّس ، وهي المدرسة الإسكندرانيّة . وكما قلنا في الجزء السابق (4) ، إن الأسلوبَ أو الخطاب اللاهوتيّ  للمدرسة الأنطاكيّة كان (تصاعديّ – يشدّد على إنسانيّة يسوع )، مبيّنا دور نفس يسوع العاقلة خلافا للأبوليناريّة ، وهذا الخطابُ يبدو قريبًا من دور الفكر الحديث والمعاصر . بينما الأسلوب الخاصّ بمدرسة الإسكندرانيّة ، هو خطابٌ تنازليّ ، يشدّد على أنّ الكلمة صارَ جسدًا ، مركّزا على فعل ” التجسّد “.

وهنا يجبُ أن نتفحّص بدقّة ٍ وجه الخلاف القائم بين نسطوريوس وكيرلّس ، أي بين المدرسة الأنطاكيّة والمدرسة الإسكندرانيّة .

أولا : قضيّة اللغة والمصطلحات

أوّلُ مشكلة ٍ لم يُدركها الخصمان ، هي مشكلة ” لُغويّة ” ، ولا سيّما لفظةُ PHUSIS  (طبيعة) ، و  HYPOSTASIS  (شخص)  ؛ إذ إنّ الألفاظ الفلسفيّة لم تكنْ حينذاك واضحة المعالم والمعنى .

إنّ أصلَ لفظ phusis ، هو الفعل اليونانيّ PHUO  ، ومعناهُ ” وُلد ” . فلفظُ PHUSIS (طبيعة ) ، يتميّز بالتالي  بــ ” طابع عينيّ وجوديّ “. هكذا فهمها كيرلّس عندما تحدّث في ” الطبيعة الواحدة ” ( المنونوفيزيّة) ، قاصدًا ، من خلال هذا التعبير ، معنى ” شخص واحد ” hupostasis  ، فكانَ نسطوريوس يرفضُ كلامَ كيرلّس هذا ، قائلا : إنّ ليسوع المسيح طبيعتين ، فاهمًا من لفظ phusis (طبيعة ) معنى لا عينيّا، بل شاملا ، ولا وجوديّا ، بل مجرّدا . (فكانَ الحقّ من جهتهِ ، ونحنُ نفهمُ لفظة ” طبيعة ” بهذا المعنى .

ومن جهةٍ أخرى ، كانَ نسطوريوس يدّعي ، أنّ يسوع المسيح ذو hupostasis (شخص) إثنين ، وكانَ يعني “
 طبيعتين إثنتين” ، ولكنّه كان يستخدمُ لفظة hupostasis ، بمعنى يختلفُ عن معنى كيرلّس الذي كانَ يفهمُ اللفظ بمعناهُ اللغويّ الدقيق ، أي ” كائن ذاتيّ يقوم على ذاته ” ، أو ” كائن عينيّ “. (وكان الحقّ من جهته ، فنحنُ نفهمُ لفظ ” شخص ” بهذا المعنى. لذلكَ  رفضَ كيرلّس تمامًا تعبير نسطوريوس.

هكذا  نرى لاهوتيَين لم يتّفقا على المصطلحات التي كانا يستخدمانها ، وكلُّ منهما يفهمها بفهمهِ الخاصّ بدون أن يُدرك أصل خلافهما .

لهذا ، فإنّ معنى hupostasis  ـ أحيانا تُكتَب hypostasis  ، لاتعني كيانا حالة ً بل فعلا ، لا كيانا مستريحًا في ذاته ، بل كيانا ناشطًا (كما يقول اللاهوتيّ كاسبر) . فكانت اللفظة تناسبْ هكذا المعنى العلائقيّ المُعطى للشخص ، وما كانوا بعيدينَ عن إعتبار الأشخاص ( الأقانيم) الإلهيّة كعلائقَ كما فعلَ باسيليوس في الشرق وأوغسطينوس في الغرب . الشخص (الإقنوم) الإلهيّ ليس ذاتـــــًا ولا جوهرًا ، هو في الحقيقةِ ، مجرّد توجّه الواحد إلى الآخر ، مجرّد الحاليّة في العطاء والقبول المتبادلين ، إنه علاقةٌ قائمةٌ بذاتها .

ثانيًا : قضيّة المفاهيم

نرى هناكَ مشكلة ً أخرى عقّدت الأمور تعقيدًا ، وهي مشكلة المفاهيم . إذ كانَ نسطوريوس يستعملُ بدون تمييز تعابيرَ مجرّدة abstraites  وتعابيرَ عينيّة concretes ؛ فللفظ ” الألوهيّة ” أو ” الإنسانيّة ” مثلا ، دلالةٌ مجرّدة وهي تعني الطبيعة الإلهية ، أو الإنسانيّة .. في حين أنّ للفظ ” الكلمة ” ، أو ” الإنسان ” مثلا مدلولا عينيّا  ، وهو يعني ” الكائن القائم بذاته ” . فعدمُ تمييزهِ بين المفاهيم المجرّدة والمفاهيم العينيّة ، جعلهُ يفهمُ كلام كيرلّس على غير ما كان يقصدهُ.

فعندما قالَ كيرلّس : إنّ كلمة الله ” تألّم الموت لإجلنا ” ، قاصدًا إذا ، ” كائنا عينيّا ” .. فهمَ نسطوريوس إنّ الإلوهيّة الجوهرية تتغيّر ، قاصدًا إذن ” الطبيعة الإلهيّة المجرّدة ” . ولذلكَ ، رفضَ كلامَ كيرلّس وخطابه اللاهوتيّ هذا . إلى اليوم ، كثيرين من الناس يخلطونَ بين المستويين ، بدون ِ أيّ تمييز ٍ عندما يتكلّمون خصوصًا على آلام المسيح وموته ، فليسَ جوهرُ الله أو طبيعة الله هي التي تألّمت وماتتْ ، بل ذلكَ الكائن العينيّ يسوع المسيح ، الإنسان الله . هناكَ فرق إذن بين الطبيعة (الإلهيّة أو الإنسانيّة ) ، وبينَ الكائن (الإله – الإنسان ).

سنرى لاحقا الحلقة الثانية من الجزء الخامس من هذه المواضيع

وهي عن قضيّة الإيمان 

إدعم زينيت

إدعم زينيت. متوفّرة بخمس لغات، يموّلها القرّاء. إشترك تبرّع

Share this Entry

عدي توما

1

Support ZENIT

If you liked this article, support ZENIT now with a donation