بفضل خبرة القديس فرنسيس العميقة بالكتاب المقدس “رجل الإنجيل”، بل صار يحمل في كيانه روح البشارة. وقد أراد أن يعلن ذلك كله من خلال البركة التي تنطلق من الله منذ فجر الخليقة؛ فكما ورد في سفر التكوين: ‘وَبَارَكَ اللهُ الْيَوْمَ السَّابِعَ وَقَدَّسَهُ، لأَنَّهُ فِيهِ اسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ اللهُ خَالِقًا’ (تك 2: 3). والقديس فرنسيس ليس رجل الإنجيل فحسب، بل هو أيضاً رجل الطبيعة الذي عرف الله من خلال خلائقه، وهو يقودنا بالعودة إلى قصة الخلق لندرك أن البركة مسيرة مستمرة من الله نحو البشر حتى يومنا هذا. لقد تغلغلت هذه البركة في كيانه كله ووجهته نحو الخالق، لذا فهي تقودنا بروحانية الطبيعة والمخلوقات التي تسبح الله دائماً.”
“لقد استعار القديس فرنسيس هذه الكلمات من الكتاب المقدس نفسه، وتحديداً من سفر العدد: «يُباركك الرب ويحفظك! يُضيء الرب بوجهه عليك ويرحمك! يرفع الرب وجهه نحوك ويمنحك السلام!» (عد 6: 24-26). إن ثقته المطلقة بالله هي التي تنطق في هذه الكلمات؛ فالرب قادر على إغداق حمايته على كل إنسان. يتأمل القديس فرنسيس في أبوة الله وجوده، تلك الأبوة التي دفعته ليعيش الإنجيل بكل جوارحه، مُسلّماً أمره بالكامل للعناية الإلهية، ليقينه بأن الآب قد وهبه كل شيء. لذا، صار كل ما يحيط به مصدراً للبركة والرحمة، ولاسيما بعد نيله سمات الجراحات الخمس.”
نال القديس فرنسيس نعمةً فائقة تمثلت في السمات الخمس، وصار القديس فرنسيس “مسيحاً آخر”، لذلك، بعد نيله الجراحات، منح البركة للأخ ليون، مستخدماً البركة الكهنوتية من سفر العدد: “وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: كَلِّمْ هَارُونَ وَبَنِيهِ قَائِلًا: هَكَذَا تُبَارِكُونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلِينَ لَهُمْ: يُبَارِكُكَ الرَّبُّ وَيَحْرُسُكَ. يُضِيءُ الرَّبُّ بِوَجْهِهِ عَلَيْكَ وَيَرْحَمُكَ. يَرْفَعُ الرَّبُّ وَجْهَهُ عَلَيْكَ وَيَمْنَحُكَ سَلامًا…”».
“إنَّ الله هو مصدر البركة وفاعلها الأول، فهو الذي بارك البشر منذ البدء. وقد وردت أول بركة من إنسان لآخر في سفر التكوين (14: 19)، حين بارك ملكي صادق إبراهيم. ومن الجليّ أن ملكي صادق هذا يرمز إلى السيد المسيح، كما ذكرت الرسالة إلى العبرانيين، بوصفه الكاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق. “حيث دخل يسوع كسابق لاجلنا صائرا على رتبة ملكي صادق رئيس كهنة إلى الابد لان ملكي صادق هذا ملك ساليم كاهن الله العلي الذي استقبل إبراهيم راجعا من كسرة الملوك و باركه”(عب ٦: ٢٠، 7: 1).
“يستمد القديس فرنسيس هذه البركة من يسوع الكاهن الأعظم؛ ونلمس أثرها في البركة التي منحها للأخ ليون عقب نيله سمات السيد المسيح في جسده عام 1224م. وقبل نص البركة، نجد “نشيد تسابيح الله العلي” الذي يستهله بقوله: «قدوس أنت أيها الرب الإله الأوحد، الصانع العجائب. أنت القوي، أنت العظيم، أنت العلي…»، ويختمه بعبارة: «أنت رجاؤنا، أنت إيماننا، أنت محبتنا، وأنت مخلصنا الرحيم». ومن خلال هذا النص، يعلن القديس فرنسيس أن الله هو الخالق والمخلص، مؤكداً سر الثالوث والوحدة والحب الذي تجلى في سريّ التجسد والفداء، كما يعلن سر القيامة في كلماته: «أنت حياتنا الأبدية ومخلصنا الرحيم»؛ ومن هذا الفيض الإيماني ينطلق نحو منح البركة.”
حين نتأمل في بركة يعقوب، نجدها في التيار الروحي تمهيداً لبركة القديس فرنسيس! فالسيد المسيح هو ‘ابن داود’ (من سبط يهوذا) الذي تمم بركات يعقوب كافة، ثم قلب الموازين بإعلانه: «طوبى للمساكين بالروح» (مت 5: 3). والقديس فرنسيس هو من عاش هذه ‘الطوبى’ عيشاً جذرياً. ‘بركة يعقوب الجديدة’؛ لا لسبط واحد فحسب، بل للخليقة جمعاء؛ لذا كان يسبح الله في الخلائق كلها ويباركه من خلالها.”
ويمكننا القول إن القديس فرنسيس يُعتبر ‘يعقوباً جديداً’ صارع الله، لا ياخذ بركة أرضية، بل ليصير هو نفسه بركةً متجسدة في العالم؛ فالبركة تعني للجميع ‘الخلاص المُعلن’. لقد تجلى هذا الصراع على جبل ‘لافيرنا’ حين وُسم جسده بسمات السيد المسيح، ومنذ ذلك الحدث لُقِّب “بـفرنسيس الساروفي’.إن البركة هي هبة الله للبشرية وتعبير عن عمله الخلاصي؛ فالخلاص والبركة علامتان متلازمتان على حضور الله وتدخله في التاريخ.
أولاً: البركة في سفر العدد ٦: ٢٤-٢٦
“يُبَارِكُكَ الرَّبُّ وَيَحْفَظُكَ. يُضِيءُ الرَّبُّ بِوَجْهِهِ عَلَيْكَ وَيَرْحَمُكَ. يَرْفَعُ الرَّبُّ وَجْهَهُ عَلَيْكَ وَيَمْنَحُكَ سَلاَمًا.”هذه البركة التي أمر الله موسى أن يعلمها لهارون وبنيه (الكهنة) هي خلاصة العهد:
1- “يباركك ويحفظك”: الحفظ من الشر والموت. البركة هنا درع إلهي. “يباركك الرب ويحفظك” (الآية ٢٤). تمثل البركة (بركة) التي يدعو بها الله كلمة مؤثرة تمنح الخير والسعادة. ونتيجةً لهذه البركة الإلهية، يُطلب من الله أن “يحفظ” (شامار) إسرائيل. لا يُعبّر هذا الفعل عن حماية يهوه من الخطر المباشر فحسب، بل عن عنايته بإسرائيل في كل لحظة من وجودها: فبقاء إسرائيل نفسه يعتمد على ذلك. انظر في هذا الصدد إلى “مز ١٢١”، حيث يُصوَّر الله على أنه “حارس” إسرائيل، أو صرخة أيوب: “ليتني كنت كما كنت في شهور القدم، في أيام حفظني الله!” (أيوب ٢٩: ٢). إن البركة بحاجة إلى السلام، وبدون السلام تواجه البركة صعوبات.
2- “يضيء بوجهه عليك”: صورة عميقة عن الحضور الإلهي اللطيف كالنور. وجه الله هو قربه وعطفه. “ليُضئ الرب وجهه عليك ويرحمك” (الآية ٢٥). وجه الرب المُشرق هو صورة الابتسامة التي يُخاطب بها شعبه، حيث يُنيِر الرب وجهه ويمنحك نعمته.” ما هو نور وجه الله تجاه الإنسان؟ إنه “وجه” الله المُرضي، الوجه الذي ينشر السعادة. ويمكننا أيضًا أن نقول: “ليُنِر الرب وجهه نحوك، ناقلًا شيئًا من نوره إلى وجهك.”النور الإلهي”، قد نتذكر النور الذي أشرق من وجه موسى بعد أن قضى أربعين يومًا وأربعين ليلة في حضرة الله على جبل سيناء: عندما نزل، أشرق وجهه بشدة حتى أنه كان لا بد من تغطيته بحجاب لأن ذلك النور الباهر لم يكن يُرى ولا يُتأمل ولا يُحتمل. لذلك: ليجعلك الرب، إن صح التعبير، مشاركًا في نوره.
“يرحمك”: قلب العهد القديم هو رحمة الله التي تغفر الخطايا وتتأنى على الضعيف.”يرفع وجهه عليك”: الوجه المرفوع يعني الاهتمام والرضا والقبول.”يمنحك سلامًا” (شالوم): ليس مجرد غياب الحرب، بل الخير الكامل: صحة، وفرة، عدالة، وشركة مع الله. إن رحمة الله وعنايته هما أساس هبة “السلام” (شالوم). هذا المصطلح العبري أعمق بكثير من معناه في الثقافة المعاصرة. فهو لا يشير فقط إلى غياب الحرب، بل قبل كل شيء إلى كمال الحياة. إن وضع اسم الله على بني إسرائيل يُذكّرنا بالبادرة الملموسة لوضع الأيدي، وهي العلامة المعتادة لمنح البركة. بعد إحصاء بني إسرائيل (العدد ١-٤) وإصدار قواعد الحياة الاجتماعية والدينية داخل المعسكر (العدد ٥-٦)، تهدف البركة إلى ضمان ازدهار شعب العهد وحياته (انظر ٧: ١-٨٩).
تهدف البركة إلى جلب الحماية الإلهية للشعب. ويتجلى ذلك في هبة السلام (شالوم)، التي تُمثل خلاصة كل الخير الذي يجب على إسرائيل السعي إليه. البركة تحتاج إلى السلام فبدون السلام، قد تضيع البركة في الطريق وبالتالي لا تصل إلينا.
وفي إطار سفر العدد وعندما يُغيّر الله الأمور، تتحول اللعنة إلى بركة. ومن هنا، نتذكر ما ورد في الكتاب المقدس في سفر العدد (الإصحاحين 23 و24)، وكان بطلها العرّاف بلعام؛ حيث أقنعه بالاق، ملك موآب، بمحاولة حل مشكلته المتمثلة في العبرانيين، وذلك عبر استخدام قوة مضادة للبركة، أي من خلال اللعنة. في الجوهر، دفع بالاق مالاً لبلعام لكي يدمر شعب إسرائيل باللعنات. ونحن نعلم أنه على الرغم من أن بلعام بذل قصارى جهده، إن جاز التعبير (لأنه لو فعل ما طلبه منه العميل، لنال ثروات طائلة)، إلا أنه رغم كل جهوده، كانت تخرج من فمه بركات بدلاً من اللعنات؛ بركات جميلة للغاية، وتُعدّ من أجمل البركات التي نُطق بها في حق إسرائيل على الإطلاق. وفي بعض كتب الأنبياء، يُذكر هذا الحدث المذهل ويُشدَّد عليه: كيف أن الرب حوَّل اللعنة إلى بركة. «فَقَالَ بَالاَقُ لِبَلْعَامَ: مَاذَا فَعَلْتَ بِي؟ لِتَشْتِمَ أَعْدَائِي أَخَذْتُكَ، وَهُوَذَا أَنْتَ قَدْ بَارَكْتَهُمْ. فَأَجَابَ وَقَالَ: أَمَا الَّذِي يَضَعُهُ الرَّبُّ فِي فَمِي أَحْتَرِصُ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهِ؟» (سفر العدد 23: 11-12). لقد استخدمه الله ليبارك الشعب أربع مرات، وفي هذا الحدث العظيم تتحول اللعنة إلى بركة.”
ثانيًا: القديس فرنسيس والبركة الكهنوتية لم يغيّر كلمة من هذه البركة؟
- “يباركك ويحفظك”: فرنسيس اختار الفقر الاختياري فبدا أنه لا يحفظ نفسه. لكنه كان متأكدًا أن الله يحفظه بطريقة مختلفة: عندما مشى بين الجنود في الحرب، عندما عالج الأبرص. بركة لأعدائه وكل الخليقة، لم يبارك فرنسيس تلاميذه فقط، بل بارك ذئب غوبيو (الذي كان يلتهم الناس) وعقد معه معاهدة سلام. بارك الأخوة النار والماء في نشيد الخليقة. بل بارك لصوص حاولوا سرقته، فتابوا بسبب محبته.
البركة مرتبطة بالوداعة والفقر، في وصيته قال: “الرب أعطاني الإخوة… وأراني أن أعيش وفقًا للإنجيل”. بركته للآخرين لم تكن بأن يعطيهم مالاً أو سلطة، بل بأن يشاركهم الفقر والمحبة، فيكونون هم أيضًا بركة للعالم. وفي حياته عاش الألم عندما كان أعمى ومريضًا في نهاية حياته، قال للرب: “أشكرك على آلامي”. وحين استشعر قرب الموت، رحب بـ الأخ الموت الجسدي حين قال :”كن مُسبحًا يا ربي بأخينا الموت الجسدي الذي لا يقدر أن يُفلت منه إنسان حي” لأن من خلال الموت نصل إلى الحياة.
2- «يُضيء بوجهه عليك»: عاين القديس فرنسيس نور الله واختبره عميقاً، لدرجة قيل معها إن وجهه كان يفيض ضياءً في أوقات الصلاة العميقة. والنور في خبرته الروحية ليس مجرد رؤية غيبية، بل هو فرح داخلي يرتسم على المحيا.
- «ويرحمك»: تجلت رحمة الله في حياته من خلال تعامله الودود مع ذئب “غوبيو” المفترس، وفي دموعه المنهمرة تذكاراً لآلام المسيح، وفي عناقه للأبرص الذي كان يثير اشمئزازه ونفوره سابقاً.4- «يرفع وجهه نحوك»: كان مفهوم القبول الإلهي راسخاً وعميقاً في وجدانه؛ فعندما خلع ثيابه أمام الأسقف ليقف مجرداً من كل شيء، هتف قائلاً: «الآن أستطيع أن أقول بثقة: أبانا الذي في السموات». لقد أيقن أن وجه الله مُقبل عليه برضا، رغم فقره المدقع.
- «ويمنحك السلام»: عاش القديس فرنسيس السلام بامتياز. ولم يكن سلامه مجرد سكون سلبي، بل كان صنعاً حقيقياً للسلام؛ تجسد في مصالحته مع الذئب، وفي حواره مع السلطان الكامل بمصر أثناء الحملة الصليبية في دمياط عام 1219م، وفي تصالحه مع جسده العليل، وصولاً إلى ترحيبه بـ «الأخ الموت».
استلهم القديس فرنسيس الأسيزي، مناسبة لأنه يحفظ في قلبه وآثار جراحه المحبة التي تأتي من إله أب. تتناغم بركة الله مع أفعال الحماية، وإظهار وجهه، والرحمة، ومنح السلام. هذه كلها أفعال أب يشجع أبناءه ويحميهم في الوقت نفسه، لأنه حاضر بنظرة محبة تتابع مسيرتهم. من خلال هذه التجربة، وجد فرنسيس الدافع الذي جعله يعيش الإنجيل بصدق وتفانٍ، وقاده إلى تسليم نفسه بالكامل للعناية الإلهية. إنه يدرك أن الأب قد أعطاه كل شيء بالفعل، ولهذا السبب، يصبح كل شيء بالنسبة له مصدراً للبركة والإحسان. __________________
بعض المراجع
https://www.sanfrancescopatronoditalia.it- / مقالة: ماذا تعني البركة للقديس فرنسيس؟ أنطونيو تارالو، ١٣ ديسمبر ٢٠٢١
- https://dimensionesperanza.it/ مقالة: كلنا نحتاج إلى البركة، لأن البركة الحقيقية، البركة الصادقة، هي بركة الله. إله البركات في تقليد إسرائيل، بقلم جوزيبي لاراس كبير حاخامات الجالية اليهودية بميلانو
