سمعت العذراء مريم كلمة الله بواسطة الملاك الحامل إليها البشرى بولادة المخلّص وفكّرت في فحوى الرسالة بصلاة وتأمّل من دون شكٍّ أو تردّد لكنّها قالت: “ما عسى أن يكون هذا، وكيف يكون وأنا لست أعرف رجلًا؟”. فجاءها أيضًا كلام الملاك مطمئنًا إيّاها بألّا تخاف: “الروح القدس يحلٌّ عليكِ وقوّة العليّ تظللّك”. فما كان من مريم إلّا أن أطاعت ولبّت فقالت: “أنا أَمَة للربّ”، وبهذا الجواب حلّ “ملء الزمن”، زمن الخلاص وكأنّ الله الكليّ القدرة وبارئ الكون انتظر “نعم” مريم ليشرع في تحقيق مخطّطه ليخلّص البشرية التي أحبّ فخلق، وأحبّ فأراد أن تشاركه حياته الأبديّة.
من هنا أخذت الكنيسة، منذ القدم، تعطي المكانة السامية للعذراء بتكريمها وطلب شفاعتها لأنّها هي ابنة البشر وأمّ الله تقدر حقًّا أن تطلب منه لأجل إخوتها في الخليقة وأولادها وفق ما طلب ابنها يسوع منها وهو على الصليب. وها هي مريم، منذ عرس قانا الجليل، حينما “لم تكن ساعة يسوع قد أتت بعد”، تلحظ بنظرها المحِبّ مأزقَ أهل العرس وقد نفذ النبيذ من عندهم، فلجأت إلى ابنها تشكي له همّهم نيابةً عنهم لأنّهم لم يكونوا قد عرفوه بعد، وتغيّر له “موعد ساعته” حتّى ولو من دون أن تدرك ذلك، لأنّها وثقت بدالّتها لديه وبطاعته لها.
يُطلق التقليد المسيحيّ لقب” الشفيعة” على مريم، وهو يشير إلى دورها كأمّ قادرة، “تؤتمَن” على صلوات البشر وتوسّلاتهم لترفعها بصفتها أمّ الإله إلى ابنها يسوع المسيح. وبدورها، تكرّم الكنيسة مريم منذ القدم، وقد خصّصت لها على مدار السنة احتفالاتٍ وصلوات وتأمّلات.
هكذا العذراء مريم، مذ أوكلنا يسوع إلى قلبها الأموميّ، باقية معنا إلى الأبد لترفع طلباتنا وتضرّعاتنا إلى ابنها الإلهيّ ليحوّل ما نختبر في حياتنا كلّه، إلى خيرٍ لنفوسنا، كما نصلّي في الليتورجيا المارونيّة “اجعل يا ربّ ما يؤذينا ويخسّرنا يتحوّل عاجلًا إلى ما يفيدنا وينفعنا”.
في ختام شهر أيّار/مايو، الشهر الذي يتزيّن بالورود والجمال وفيه تتجدّد الطبيعة وتنبض الحياة بقوّة، ما حمل الكنيسة على تطبيعه بالكثير من المناسبات لإجل إكرام العذراء، وكأنّ الكنيسة تقول لأبنائها بأنْ من العذراء يفوح عطر القداسة وبأنّ شفاعتها تزهر في كلّ مكان ولكلّ مَن يلتجئ إليها.
يقول القدّيس أمبروسيوس “فلتكن نفس مريم في كلّ نفس حتى تعظّم الرّبّ، فليكن روح مريم في كلّ إنسان حتى يبتهج بالله”.
من وحي الليتورجيا القبطية:
“اِفرحي أيتها الحمامة الحسنة، التي حملتِ الله الكلمة من أجلنا. نعطيكِ السلام مع جبرائيل الملاك قائلين: الفرح لكِ، أيتها الممتلئة نعمة، الرب معكِ”.
“الفرح لك أيتها العذراء، الملكة الحقيقية، السلام (الفرح) لفخر جنسنا” ولدت لنا عمانوئيل“.
“نسألك أيتها الشفيعة المؤتمنة أن تذكرينا أمام ربنا يسوع المسيح، لكي يغفر لنا خطايانا”.
“السلام لمريم الملكة، الكرمة الحقيقية، التي لم يُفلِّحها فلاح، ووجد فيها عنقود الحياة!…
ابن الله الحقيقي المتجسد منك…وجدتِ نعمة أيتها العروس، كثيرون نطقوا بكرامتكِ، لأن كلمة الآب تجسد منكِ! أنت هي البرج العالي، الذي وجدوا فيها الجوهرة…”
من ميمر[1] لبولس البوشي
” أنت أرفع من السمائيين وأجَل مِن الشاروبيم، وأفضل من السيرافيم،
وأعظم من طغمات الملائكة الروحانيين.
أنت فخر جنسنا، بك تكرم الطهارة والعفة الحقيقة اذ تفضلت على الخلائق
التي ترى عظمة وكرامة الرب المسجود له الذى اصطفاك وولد منك..
من أجل هذا كرامتك جليلة وشفاعتك زائدة في القوة والإجابة كثيراً..”
يتبع
[1] ميمر كلمة سريانىة معناها مقال أو موعظة أو تلاوة عجائب القديسين
الأب أنطونيوس مقار إبراهيم
راعي الأقباط الكاثوليك في لبنان
