يا مريم، يا ابنة البشر التي عانقت سماء الروح في صمتٍ أبدي،
تأملتُ فيكِ اليوم لا كأيقونةٍ باردةٍ في هيكلٍ عتيق بل كأنفاسٍ حيةٍ،
لكنكِ حملتِ ابنك بقلبٍ يفيضُ رقةً وتواضعاً لا يدركه المتجبرون.
كم كان عظيمًا ذاك الحمل في رحمكِ،
حينما كنتِ ترين خطواتِ ابنكِ تتجهُ نحو المجهول، ونحو آلامٍ لا تطيقها الأمهات.
أرى في عينيكِ وجعَ كل أُمٍّ ودعت ابنها على أملِ اللقاء،
وأرى في يديكِ المضمومتين قوةَ إيمانٍ يغلبُ طوفان الحزن في عزِّ الانكسار.
يا مريم، يا من كنتِ جسراً بين الخوفِ والرجاء،
علميني كيف أكون إنساناً حين تضيق بي سبلُ الحياة وتتلاشى المعاني،
كيف أحافظ على طهارةِ القلبِ حين يغزو عالمنا ضجيجُ القسوةِ والنسيان.
أرى فيكِ الانعكاسَ الأصفى للفطرةِ البشريةِ حين ترتقي إلى أقصى حدودِها،
تلك التي لا تطلبُ تفسيراً للأحداث، بل تطلبُ قوةً لتحملهِ بحب.
أقفُ أمام سيرتكِ لا لأطلب معجزة، بل لأطلب طمأنينةً تشبه طمأنينتكِ تحت الصليب،
تلك التي لا تهتزُّ أمام رياحِ الزمان أو تقلباتِ المصير.
يا أُمَّ الموجوعين، يا صدىً لكل تنهيدةِ انكسارٍ تحولت إلى ترتيلةِ صبر،
كوني لي دليلاً حين تظلمُ الحقيقة، وسنداً حين يخذلني البشر.
أنتِ لستِ بعيدةً في علاكِ، بل أنتِ في كل دمعةِ أملٍ تُذرفُ في الخفاء،
وفي كل نبضةِ قلبٍ تختارُ الغفران حين كان بوسعها الانتقام.
إليكِ يا مريم، يا مَن جعلتِ من رحمكِ وطناً للألوهة، ومن روحكِ سكناً للسلام.
التي تستمد كلَّ شيء من ابنها وتعمل لكي يظهر مجده.
