ترجمة ندى بطرس
بعد مرور أكثر من ستّة عشر قرناً على وفاته، لا يزال القدّيس أغسطينس أسقف هيبو يُثير دهشة الباحثين. فقد تمّ العثور على عظتَين لمِلفان الكنيسة، لم تكونا معروفتَين من قبل، في مخطوطة تعود إلى القرن الثاني عشر محفوظة في بولندا، ممّا يُلقي ضوءاً جديداً على أحد أبرز علماء اللاهوت في المسيحيّة، وعلى نصٍّ من الكتاب المقدّس لطالما شكّل تحديات للمفسّرين منذ القدم.
في تفاصيل أخرى نشرها القسم الفرنسي مِن زينيت ضمن مقال بقلم يواكين مايسنر هرتز، أعلَنَ عن هذا الاكتشاف أستاذ اللغة اللاتينيّة كريستيان تورناو، من جامعة Wurtzbourg، والذي يتعاون حاليّاً مع متخصّصين في مشروع “مجموعة النصوص الكنسيّة اللاتينيّة” لإعداد أوّل طبعة نقديّة لهذه النّصوص. ومِن المتوقّع نشرها قبل نهاية عام 2026.
انبثق هذا الاكتشاف من مشروع أبحاث بدا روتينيّاً. ففي عام 2024، طلبت جمعية دَير Bad Dobran مِن تورناو فحص مخطوطة من العصور الوسطى كانت تابعة لدَير ألماني، ولكنّها محفوظة الآن في دَير بيلبلين Pelplin شمال بولندا. تحتوي المخطوطة على 6 عظات تُنسَب إلى القدّيس أغسطينس، لكنّ تحليلاً نصّيّاً مُعمَّقاً كشف أنّ اثنتين منها لم يتعرّف عليهما الباحثون.
دراسة العظتَين
بالنسبة إلى خبراء الأدب الآبائي (أي مجموعة الكتابات التي وضعها آباء الكنيسة الأوائل)، تُعَدّ الاكتشافات الأصيلة لكتابات أغسطينس نادرة للغاية. ومع أنّ كنزاً سرّيّاً هائلاً يضمّ ثلاثين نصّاً أغسطينيّاً غير معروف من قبل قد اكتُشف في مايانس Mayence عام 1990، إلّا أنّ معظم المخطوطات المنسوبة إلى أسقف هيبو قد خضعت لدراسات مكثّفة. وهذا ما يجعل تحديد عظتَين موثوقتَين إسهاماً هامّاً في الدراسات الأغسطينيّة.
تركّز هاتان العظتان على إحدى أكثر الحلقات غموضاً في العهد القديم: زيارة الملك شاول لعرّافة عَين دور، المذكورة في سفر صموئيل الأوّل. إذ كان يائساً قبل معركته ضدّ الفلسطينيين، وعاجزاً عن الحصول على إجابة من الله، لجأ شاول إلى وسيطة روحيّة في محاولة لاستحضار النبي صموئيل. أثارت هذه القصّة جدلاً لاهوتيّاً لقرون. هل سمح الله لصموئيل بالظهور بطريقة غير عادية، أم كان هذا الظهور خدعة شيطانيّة؟ بدلاً من تقديم حلّ فوري، يبدو أنّ أغسطينس قد تعامل مع المسألة كفرصة لتثقيف رعيّته في التفسير الدقيق للكتابات. ووفقاً لتورناو، أُلقيت العظة الأولى خلال قدّاس الأحد، واختُتمت بعرض عدّة تفسيرات محتملة دون اختيار أحدها بشكل قاطع. أمّا العظة الثانية، التي أُلقيت يوم الأربعاء التالي، فقد عادت إلى المسألة نفسها، مُوازِنةً بين التفسيرات المتنافسة قبل المضيّ قدماً في النقاش. ويعكس هذا النهج أسلوب أغسطينس التعليميّ المميّز: دعوة المستمعين إلى التفكير مليّاً في المسائل الصعبة بدلاً من تحويل كلّ لغز إلى إجابة بسيطة.
دائماً في هذا السياق، تتناول العظتان مسألة لاهوتيّة أوسع لا تزال حاضرة حتّى اليوم: العناية الإلهيّة. فإذا كان الله كليّ القدرة، فكيف ينبغي للمؤمنين أن يفهموا الأحداث التي تبدو وكأنّها تتحدّى سيادته؟
تُظهر تأمّلات أغسطينس تعامله مع هذه المسألة من منظور رعويّ، مُساعداً المسيحيّين العاديّين على مواجهة النصوص الصعبة دون التخلّي عن الثقة في حكمة الله. وقد خضعت صحّة هذه العظات لتدقيق، نَظَراً لظهور العديد من الأعمال المنسوبة زوراً إلى أغسطينس على مرّ القرون، فيما تعاون تورناو مع الباحث كليمنس وايدمان لجمع نحو عشرين متخصّصاً دوليّاً في الأدب اللاتيني الآبائي في فيينا، خلصوا بالإجماع إلى أنّ العظتَين أغسطينيّتَين.
من ناحية أخرى، يعتقد الباحثون أنّ مخطوطة القرن الثاني عشر قد تكون تحدّرت من نسخة أقدم بكثير كانت محفوظة في دير أميلونغسبورن Amelungsborn في ساكسونيا السفلى. وللأسف، القضاء على هذه المكتبة التي تعود للعصور الوسطى خلال حرب الثلاثين عاماً يجعل من المستحيل تحديد التاريخ الكامل لانتقال المخطوطة. كما ويقدّم هذا الاكتشاف تذكيراً قيّماً بكيفية عمل الأديرة في العصور الوسطى كحماة للحضارة المسيحيّة. فقبل اختراع الطباعة، نسخت أجيال من الرهبان النصوص الكتابيّة واللاهوتيّة والكلاسيكيّة يدويّاً. ولولا هذا العمل، لكان جزء كبير من التراث الفكريّ للمسيحيّة والعالم القديم قد اندثر.
وُلد القدّيس أغسطينس عام 354، وعُيِّن أسقف هيبو حتى وفاته عام 430. أثّر تأثيراً عميقاً في المسيحيّة الغربيّة من خلال مؤلّفاته مثل “الاعترافات” و”مدينة الله”. ويتجاوز تأثيره حدود الكنيسة بكثير، إذ تتناول كتاباته اللاهوت الكاثوليكي، وتتطرّق إلى الفلسفة، وتفسير الكتاب المقدّس، والفكر السياسيّ، والثقافة الغربيّة نفسها. ولذلك، فإنّ كلّ إضافة أصيلة إلى إرثه الأدبيّ تتجاوز كونها مجرّد اكتشاف أكاديمي.
تقدّم هاتان العِظتان المُكتَشَفتان حديثاً نافذة جديدة على الرّوح الرّعويّة لأحد أعظم مُعلّمي المسيحيّة، وتكشفان ليس فقط عمّا آمن به أغسطينس، بل أيضاً كيف أرشد المؤمنين في مواجهة أسئلة لم تكن لها إجابات سهلة – وهو نهج لا يزال وثيق الصِلة بعصر لا يزال يبحث عن الحكمة وسط التعقيد.
نشكر قراءتكم المقال. إن أردتم تلقّي الأخبار اليوميّة من زينيت عبر البريد الإلكترونيّ، يمكنكم الاشتراك مجانًا عبر الضغط على هذا الرابط
