عذاب الضمير لا يُسكته المال

عيد قطع رأس يوحنا المعمدان

Share this Entry
لنقرأ هذه الآيات من إنجيل مرقس: «سَمِعَ المَلِكُ هِيرُودُسُ بِيَسُوع، لأَنَّ ٱسْمَهُ صَارَ مَشْهُورًا، وكَانَ أُنَاسٌ يَقُولُون: «إِنَّ يُوحَنَّا المَعْمَدانَ قَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، ولِذلِكَ تَجْرِي عَلَى يَدِهِ الأَعْمَالُ القَدِيرَة». وآخَرُونَ يَقُولُون: «إِنَّهُ إِيليَّا». وآخَرُونَ يَقُولُون: «إِنَّهُ نَبِيٌّ كَأَحَدِ الأَنْبِيَاء». ولَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ قال: «إِنَّ يُوحَنَّا الَّذي قَطَعْتُ أَنا رَأْسَهُ، هُوَ نَفْسُهُ قَام».» (مرقس٦: ١٤-١٦) من خلال هذه الآيات الثلاث (التي تُقرأ اليوم، في ٢٩ آب، في عيد قطع رأس يوحنا المعمدان)، نفهم أن هيرودوس كان في حالة من عذاب الضمير، لأنه قتل يوحنا الذي واجهه بالحقيقة، وهي أنه تزوج هيروديا، امرأة أخيه فيليبس، من دون وجه حق.
وفي يوم الاحتفال بعيد ميلاده، رقصت سالومة ابنة هيروديا في الحفل، وبفورة اعتزاز واعجاب وشهوة واستبداد قال هيرودوس لسالومة أن تطلب ما تشاء حتى لو كان نصف المملكة… أتت إلى أمها وأخبرتها بذلك، فقالت لها الأم أن تطلب من هيرودوس رأس يوحنا المعمدان! لقد كان إسكات صوت الحق الصارخ أهم من الحصول على نصف المملكة! لماذا؟ لأن عذاب الضمير لا يُسكته المال… والسعادة لا يجلبها المال، بل راحة الضمير…
لم يُرد هيرودوس قتل يوحنا المعمدان، ولكن هيرودية أحرجته، وبدل أن تعمل على إصلاح الخطأ وتقويم الاعوجاج في حياتها وحياة هيرودوس، فضّلت إسكات الصوت الذي يسبب وخز الضمير.
هيرودس، هذا الرجل الظالم، استعمل الفريسيون اسمه ليُسكتوا يسوع إذ قالوا له: «اخْرُجْ وَاذْهَبْ مِنْ ههُنَا، لأَنَّ هِيرُودُسَ يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَكَ». فَقَالَ لَهُمُ: «امْضُوا وَقُولُوا لِهذَا الثَّعْلَبِ: هَا أَنَا أُخْرِجُ شَيَاطِينَ، وَأَشْفِي الْيَوْمَ وَغَدًا، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أُكَمّل» (لوقا١٣: ٣١-٣٢)… ليس من المهم أن نعلم إذا كان هيرودوس قد أراد فعلا قتل يسوع، ولكن المهم في هاتين الآيتين هو أن هناك أشخاص يحبون هيرودس وسلوكه، ويهددون الذين يتمسكون بالحق ببطش هيرودسهم…
كان الفريسيون يريدون إخافة يسوع بالسلطة التي لهيرودس، ذلك الملك المهووس الذي نهب الناس، واستقوى عليهم، وقتل فيهم صوت الحق (يوحنا المعمدان)، وبنى المباني الشاهقة، وظلم العباد، وتحالف مع الرومان أصحاب الأطماع في المنطقة… كل ذلك، ليُرهب ويُخضع الناس، تأليهًا لذاته، وإعلاءً لمصالحه الخاصة، وإمعانًا واستمتاعًا بظلمهم، وجعلهم يدفعون أثمانًا باهظة لجنونٍ لم يُصابوا به… وما زال ذلك المهووس يجد من يصفق له، ومن يستعمل سلطته لإسكات صوت الحق الصارخ في وجه الظلم والباطل.
في وطننا ومجتمعنا اليوم، نجد أشخاصًا يتبنون تصرف هيرودس، وآخرون تصرف الفريسيين، ولو مهما كَبُرَ الظلم:
– هيرودس كان خائفا من عودة يوحنا إلى الحياة ليدينه على فعلته، لأن ضميره كان يعذبه جدًّا،
– والفريسيون أنكروا قيامة المسيح ودبروا قصة اخترعوها وغذوها بالمال ليقنعوا الجميع بأن تلاميذ المسيح هم الذين سرقوا جسده وادّعوا أنه قام…
– والكثيرون يتغنّون بسلطة هيرودس، فيشيرون إليها ليبعثوا الخوف في وجه الذي يُعلن الحق…
نعم! هذا هو الظلم:
– خائفون من صوت الحق، عاملون على إسكاته،
– غارقون في الفساد، يخترعون الهيرودوسات لتبريره، أو لتمريره بالتّرهيب.
ولكن لا يهم! لنتذكر ما نعلن في قانون الإيمان عن يسوع الذي هيَّأ له يوحنا المعمدان الطريق: «وأيضًا يأتي بمجد عظيم ليدين الأحياء والأموات»…

إدعم زينيت

إدعم زينيت. متوفّرة بخمس لغات، يموّلها القرّاء. إشترك تبرّع

Share this Entry

الخوري يوحنا فؤاد فهد

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير