“ثِقوا إِنِّي قد غَلَبتُ العالَم” (يوحنّا 16، 33)
أيّها الشّباب والشّابّات الأعزّاء،
بهذه الرّسالة، أريد أن أكون قريبًا منكم جميعًا، وأريد أوّلًا أن أشكر الله على هذه النّعمة أنّكم أنتم للكنيسة وللمجتمع. الله يعرفكم ويحبّكم ويرافق مسيرة حياتكم. وروحه يوقظ فيكم جميعًا، على الرّغم من اختلافكم وانتشاركم في العالم، التطلّع نفسه إلى الأمور العظيمة والدّائمة، ويدفعكم إلى أن تبحثوا عن الحرّيّة والحقيقة. من الله تأتي رغبتكم في أن تُحِبّوا وأن تكونوا محبوبين، وكذلك الرّجاء الذي يوقظه الرّوح القدس في قلوبكم، وهو رجاء يمكن أن يصير نورًا للآخرين أيضًا. على كلّ ذلك أشكر الله.
نستعدّ للاحتفال في الكنائس المحليّة باليوم العالميّ الحادي والأربعين للشّبيبة، في 22 تشرين الثّاني/نوفمبر المقبل، في عيد يسوع الملك. ونحن نتطلّع منذ الآن إلى لقائنا العالميّ في سيول، في آب/أغسطس 2027. استعدادًا لهذه الأحداث، أودّ أن أضع بين أيديكم كلمات يسوع: “ثِقوا إِنِّي قد غَلَبتُ العالَم” (يوحنّا 16، 33). لنبدأ الآن بالتأمّل معًا في هذه الكلمات، التي ستكون الموضوع الذي سيرافقنا في الأشهر المقبلة.
من أين تأتي الشّجاعة؟
كلمات السّيّد المسيح تبدأ بدعوة إلى الشّجاعة. أنا أعلَم جيّدًا أنّه قد يَتغلّب علينا، أحيانًا، الشّك وعدم التّأكّد أو الخوف بدلًا من الشّجاعة، كما حدث على التّلاميذ الأوّلين. كثيرون منكم يحملون في داخلهم أسئلة وهمومًا تُثقِل القلب. ولعلّكم تختبرون مخاوف بشأن المستقبل، وتشعرون بالضّغط أمام ضرورة النّجاح والظّهور بمظهر كامل ومثالي، وتتعرّضون للضغوط النّفسيّة من المقارنة المستمرّة مع الآخرين أو مع نماذج مصطنعة أو لا يمكن بلوغها. وقد تجدون صعوبة في معرفة هويّتكم وقبولها مع تراكم الصّوَر التي تصنعها وسائل التّواصل الاجتماعيّ. وتشعرون بالحاجة إلى عواطف صادقة، لأنّ التّكنولوجيّا يمكن أن تقلّد التعاطف، لكنّها لا تستطيع أن تحلّ محلّ القرب الإنسانيّ الأصيل. وبعضكم يعرف العزلة أو الفشل أو الخوف من ألّا يكون على قدر التطلّعات.
لهذه الأسباب، لعلّكم أنتم أيضًا شعرتم مثل تلاميذ يسوع، الذين كانوا في قارب صغير يعبر البحيرة في الليل. اشتّدت الرّيح، وارتفعت الأمواج، واختفى الشّاطئ في الظّلام. في مثل هذه الظّروف يرتفع صوت في الإنجيل يدعو إلى الشّجاعة. جاء يسوع للقاء تلاميذه وقال لهم: “أَنا هو، لا تَخافوا!” (يوحنّا 6، 20). هذا هو اليقين الذي أريد أن أودعه في قلوبكم: حتّى قبل أن تبدأوا أنتم في البحث عن المسيح، يكون هو قد بدأ في البحث عنكم، وهو يسير على مياه حياتكم المضطربة. فالشّجاعة المسيحيّة لا تأتي أوّلًا من قوّتنا، بل من حضوره هو.
بالطّبع، المسيح لم يعش حياة بلا عواصف، ولا يعدنا بحياة تخلو منها. لكن لا ظلمة ولا ألم أقوى من محبّته. هو لا يترككم أبدًا. إنّه يدعوكم إلى صداقته وإلى أن تسلّموه مسيرتكم ومسيرة جماعاتكم المسيحيّة. فدعوا يسوع المسيح، الذي يبحث عنكم، يلتقي بكم، وسلّموه طريقكم الشّخصيّ وطريقكم مع الجماعة. وسوف تشعرون بأنّ شجاعة جديدة تنمو في قلبكم، شجاعة لا تزول.
الانتصار على العالم
الرّبّ يسوع، الذي جاء للقاء تلاميذه وهو يمشي على الماء، يقول لنا الآن: “ثِقوا إِنِّي قد غَلَبتُ العالَم” (يوحنّا 16، 33). اقبلوا هذه الكلمات على أنّها وَعدٌ موجَّهٌ شخصيًّا إلى كلّ واحد منكم، وإلى الإخوة والأخوات الذين تسيرون معهم. فهي نعمة، قبل أن تكون إرشادًا وتشجيعًا. فالمسيح لم يقل: “ستغلبون العالم”، بل قال: “إِنِّي قد غَلَبتُ العالَم”. نحن نعلَم أنّ المقصود بكلمة ”العالم“ في هذا النّص الإنجيليّ ليس الكون الذي خلقه الله وأحبّه، والذي أعدّه للخلاص، بل “عالَم الظُّلُمات” (أفسس 6، 12)، أي ذلك الواقع الغامض، الحاضر أيضًا في قلب كلّ إنسان، الذي يقاوم الله ويعارضه. غلب يسوع، وحده، بموته وقيامته من بين الأموات، هذا الواقع المظلم، وفتح من جديد أمام البشريّة الطّريق إلى الله، وإلى السّعادة والعدل والسّلام.
هكذا نفهم جوانب أخرى من الشّجاعة التي يدعوكم إليها يسوع. فهي لا تنبع من مقاصدكم ولا من قوّة شخصيّاتكم، بل من ثقتكم بيسوع المسيح الذي يتقدّمكم، ومن الإيمان به. إن فَهِمنا أنّ المسيح غلب العالم بمحبّته له، فَهِمنا أنّ الشّجاعة المسيحيّة ليست شجاعة ”ضدّ“ شيء أو أحد، بل هي شجاعة ”من أجل“: من أجل الحياة، ومن أجل الحقيقة، ومن أجل الحرّيّة، ومن أجل العدل.
بالشّجاعة التي يمنحنا إيّاها المسيح، نستطيع إذًا أن نتوجَّه بعيون جديدة إلى العالم الذي أحبّه الله كثيرًا (راجع يوحنّا 3، 16). نحن أيضًا قد أوكل إلينا دورنا، مهما كان صغيرًا، لكي ننتقل من ”عالَم الظُّلُمات“ إلى ”عالَم نال الخلاص“. فالمسيح لا يدعوكم إلى أن تهربوا من هذا العالم، بل إلى أن تروه بنظرته وتلمسوه بمحبّته التي تشفي كلّ شيء. أتركوا الواقع يمسّكم ويحرّك مشاعركم! لم يحبّ يسوع العالم من بعيد، بل دخل بصورة كاملة في واقعنا، واتضَع حتّى الصّليب (راجع فيلبّي 2، 7-8). وعرف الفرح والصّداقة، لكنّه عرف أيضًا التّعب والرّفض والعزلة والألم، من دون أن يسمح لذلك بأن يغلق قلبه.
أنتم أيضًا تعيشون في عالَم خلقه الله صالحًا، لكنّه جريح. عالَم مليء بالإمكانيّات، لكنّه متسمّ بالمظالم والتوتّرات والمخاوف. كثيرون يريدون السّلام، لكنّهم يواجهون العنف. وكثيرون يريدون الوَحدة والشّركة، لكنّهم يختبرون العزلة. وسط هذه التّناقضات، المسيحيّون مدعوّون إلى أن يتبعوا المسيح في شجاعته الوديعة: الشّجاعة ليكونوا محبِّين حين تبدو القسوة أسهل وأكثر حسمًا، والشّجاعة ليبحثوا عن السّلام حين يبدو الصّدام أكثر منفعة، والشّجاعة ليحافظوا على الرّجاء حين يبدو الانتقام أكثر إقناعًا.
انتصار المحبّة التي تبذل ذاتها
عندما نسمع أحدهم يتكلّم على ”الانتصار“، يمكننا أن نفكّر في أن يكون الواحد أقوى من غيره، أو في أن يثبت نفسه أمامهم، أو في أن يبيّن كلّ واحد مقدرته على الآخرين. لكن هذه الانتصارات هي التي تقترحها العقليّة السّائدة، أي انتصارات العالَم من دون الله. أمّا إن نظرنا إلى يسوع، فنجد نوعًا آخر من الانتصار. قال القدّيس بولس إنّ المسيح، على الرّغم من أنّه في صورة الله، تجرّد من ذاته متَّخِذًا صورة العبد (راجع فيلبّي 2، 6-7). ابن الله يتّضِع لأنّ محبّته حرّة، ولا شيء لديه يريد أن يثبته أو يضمن بقاءه لنفسه. باتّضاعه لا يفقد كرامته، بل يكشف عن سموّ قلبه الإلهيّ وعمقه، القادر على أن يعطي الحياة للذي كان مَيتًا. انتصاره هو انتصار المحبّة التي تبذل ذاتها من دون حساب.
أيّها الشّباب والشّابّات الأعزّاء، الانتصار الحقيقيّ ليس في فرض ذاتنا، بل في إعطاء ذاتنا. إن تبعتم الطّريق الذي فتحه يسوع المسيح، لن تكونوا بحاجة إلى فرض ذاتكم، ولا إلى إثبات قيمتكم باستمرار، ولا إلى الظّهور بمظهر كامل ومثالي، ولا إلى إخفاء ضعفكم أو شكوككم أو حدودكم. ثِقوا لكي تكونوا صادقين أمام الله وأمام الآخرين. فكرامتكم لا تنبع من الصّورة التي تستطيعون أن تبنوها عن أنفسكم. أنتم عزيزون لأنّ الله خلقكم على صورته، وهو يعرفكم ويحبّكم. نحن نكتشف من نحن حقًّا عندما نكتشف أنّ قلبنا قد خُلق من أجل الله، لكي نحبّه، وفيه، نحبّ الإخوة والأخوات. في الواقع، يوجد في داخلنا رغبة في أن نبذل أنفسنا، وأن نهب أنفسنا من أجل سعادة الآخرين وخيرهم. هذه هي الحرّيّة التي يقدّمها لكم المسيح: أن تتجاوزوا الاهتمام بأنفسكم فقط، وأن تفتحوا أنفسكم على إبداع المحبّة المِعطاء.
شجاعة التّواضع
لم ينتهِ تواضع المسيح من أجلنا عند الصّليب، بل أقام الآب ابنه ورفعه فوق كلّ خليقة (راجع فيلبّي 2، 9-11). نلاحظ أنّ القيامة من بين الأموات ليست عملًا لتمجيد الذّات، بل هي عطيّة من الآب ومن روحه القدّوس. هنا نكتشف جانبًا آخر من الشّجاعة: شجاعة القبول. يمكننا أن نسمّيها شجاعة التّواضع. أن نكون أصدقاء يسوع يعني أن نصير أكثر شبهًا به في هذا الجانب أيضًا.
بعض العقليّات تقول لنا أن نعمل كلّ شيء وحدنا، وأن نعمل على أنفسنا لكي نتحسّن باستمرار، ونبني شخصيّة وطبعًا أقوى، لكن في النّهاية، يمكن لهذا الأمر أن يجعلنا نقتنع أنّنا مخلّصو أنفسنا. الإنجيل يقدّم لنا طريقًا آخر للنموّ: ألّا نخلّص أنفسنا بأنفسنا، بل أن نترك يسوع المسيح يخلّصنا. وهذا يتطلّب الشّجاعة في أن نقبل مساعدة الآخرين، وأن نعترف بمحدوديّتنا، وأن نتوقّف، ونصغي، ونُوكل حياتنا إلى الله.
أيّها الشّباب والشّابّات الأعزّاء، إن فتحتم قلوبكم للمسيح فلن تفقدوا أنفسكم، بل العكس، ستكتشفون بعمق أكبر من أنتم في نظر الله، وستعرفون أنفسكم بقوّة رؤيته هو. لذلك، توجّهوا إلى أعماق قلوبكم: لن تضلّوا الطّريق، لأنّ الله ينتظركم هناك. أتركوه يخلّصكم، واتركوا محبّته، أي الرّوح القدس، تكوِّن حياتكم، وليَسكن يسوع فيكم وفي قراراتكم. عندما يحدث ذلك، سيتجدّد كلّ شيء، حتّى في الظّروف اليوميّة: في الأمانة للأصدقاء، وفي احترام من يفكّر بطريقة مختلفة عنكم، وفي الاهتمام بالذي هو وحيد، وفي القُرب من الأشدّ ضعفًا، وحتّى في الطّريقة التي تتصرّفون بها في العالم الرّقميّ. فالمحبّة تغيّر كلّ شيء. بالنّسبة إلى كثيرين، المحبّة هي شكلٌ من أشكال الضّعف، لكن المسيح يبيّن لنا أنّها مصدر للحرّيّة والقوّة.
المسيح القائم من بين الأموات يأتي للقائكم بسلامه
في مساء يوم القيامة، وبعد أن كان نور الفصح قد أشرق في العالَم، كان التّلاميذ لا يزالون في العلّيّة، والأبواب مغلقة، وقد ملأهم الخوف. الإيمان لا يُبدّد الظّلمات فورًا، ولا يتركنا وحدنا فيها. لم ينتظر يسوع المنتصر، أن يتغلّب التّلاميذ على الخوف أو أن يفتحوا الأبواب. بل جاء في وسطهم، وكانت كلماته الأولى: “السَّلامُ علَيكم!” (يوحنّا 20، 19). كانوا قد تركوه. وكان واحدًا منهم قد خانه، وآخر أنكره. لكنّه منحهم سلامه.
ربّما في قلوبكم أيضًا، وفي الجماعات المسيحيّة التي تنتمون إليها، هناك أبوابٌ لا تزال مغلقة بسبب فشل، أو جراح أو استياء أو شعور بالذّنب. المسيح يأتي ليهبكم سلامه، وليصالح بعضكم مع بعض. الشّجاعة المسيحيّة تنبع من حضور الرّبّ يسوع القائم من بين الأموات، الذي يغفر ويُرسل. وعطيّة سلامه تُفيض فينا شجاعة لا يستطيع العالَم أن يعطيها: شجاعة ليس للخوف فيها الكلمة الأخيرة، على الرّغم من الجراح.
افتحوا قلوبكم للمسيح
عندما نلتقي في سيول، ستختبرون بصورة خاصّة جمال الكنيسة الجامعة وكرم ضيافة الكنيسة في كوريا. شباب قادمون من شعوب ولغات وثقافات مختلفة، سيجتمعون متّحدين في المسيح. في الإفخارستيّا، ودرب الصّليب، والتّعليم المسيحيّ، والاحتفالات، واللقاءات الكثيرة التي ستجمعكم في تلك الأيّام، ستختبرون من جديد أنّ الإنجيل يتجاوز كلّ الحدود ويتوجّه إلى كلّ الشّعوب. اجعلوا هذه الأيّام تصير لقاءً حقيقيًّا مع يسوع المسيح، ولحظة تُوكلون فيها حياتكم إليه. لهذا، نشأت الأيّام العالميّة للشّباب. حجّنا بدأ. لا تهيّئوا فقط الأمور العمليّة للرحلة إلى سيول، بل هيّئوا قلوبكم!
احملوا إلى المسيح أسئلتكم وجراحكم، وكذلك التي تمزّق مجتمعاتكم وتجعل بلدانكم تصارع بعضها بعضًا. احملوا إليه هذه الخليقة التي تئنّ وتتألّم، وصرخة الأرض والفقراء التي علّمنا البابا فرنسيس أن نصغي إليها. شاركوا يسوع أفراحكم وآمالكم. في هذا النّور، أجعل الكلام الذي استهلّ به القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني حبريّته، كلامي: “لا تخافوا! افتحوا الأبواب للمسيح، بل افتحوها على مصراعيها!”. لا تنتظروا حتّى تصيروا كاملين لكي تفتحوا أنفسكم له. هو يأتي للقائكم كما أنتم. افتحوا حياتكم للمسيح. افتحوا جماعاتكم المسيحيّة للمسيح. افتحوا الطّرق التي تقودكم إلى قلوب النّاس الذين ستلتقون بهم. الرّبّ يسوع القائم من بين الأموات، الذي دخل من خلال الأبواب المغلقة، يأتي اليوم أيضًا إلى وسطنا. لذلك، لا ترضوا بحياة أضيَقَ من التي يدعوكم المسيح إليها. اتركوا محبّته توحّدكم وتغيّركم.
أيّها الشّباب والشّابّات الأعزّاء، أتوق بشدّة إلى لقائكم في سيول. وتذكّروا: إنّ الرّبّ يسوع الذي سنلتقي به هناك يأتي للقائكم منذ الآن. اقبلوا وعده: “ثِقوا إِنِّي قد غَلَبتُ العالَم” (يوحنّا 16، 33)، واتركوه يرافقكم في كلّ مسيرتكم.
أوكِل كلّ واحد منكم إلى شفاعة سيّدتنا مريم العذراء الوالديّة، أمّ الكنيسة، لكي تعلِّمكم أن تفتحوا قلوبكم للمسيح، كما فتحت هي نفسها قلبها له، وأن تثقوا بكلمته، وأن تقبلوا بفرح سلامه، لكي تشاركوا فيه الجميع.
من الفاتيكان، يوم 22 تشرين الأوّل/أكتوبر 2026، تذكار القدّيس يوحنّا بولس الثّاني.
لاوُن الرّابع عشر
***********
© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2026
Copyright © دائرة الاتصالات – Libreria Editrice Vaticana
نشكر قراءتكم المقال. إن أردتم تلقّي الأخبار اليوميّة من زينيت عبر البريد الإلكترونيّ، يمكنكم الاشتراك مجانًا عبر الضغط على هذا الرابط
