روما، الخميس 10 فبراير 2011 (Zenit.org) – ننشر في ما يلي التعليم الذي تلاه البابا بندكتس السادس عشر يوم أمس الأربعاء، خلال المقابلة العامة في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان.

***

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

أود أن أتحدث إليكم اليوم عن القديس بيار كانيس، كانيسيوس بالصيغة اللاتينية لشهرته، الشخصية التي برزت في القرن السادس عشر الكاثوليكي. ولد في 8 مايو 1521 في نيميغن الهولندية. وكان والده عمدة المدينة. فيما كان طالباً في جامعة كولونيا، كان يتردد إلى رهبان القديسة بربارة الشارتريين، مركز نشيط للحياة الكاثوليكية، وإلى رجال أتقياء آخرين كانوا ينمون الروحانية المسماة بـ "الورع الحديث". دخل إلى الرهبنة اليسوعية في 8 مايو 1543 في ماينز (راينلاند – بفالز)، بعد أن حضر دروساً في الممارسات الروحية بإرشاد الطوباوي بيار فافر، بيتروس فابر، أحد أول رفاق القديس اغناطيوس دي لويولا. سيم كاهناً في يونيو 1546 في كولونيا، وفي السنة التالية، شارك في مجمع ترينت كلاهوتي مع أسقف أوغسبورغ، الكاردينال أوتو تروشسيس فون فالدبورغ، حيث تعاون مع أخوين هما دييغو لايينيس وألفونسو سالميرون.

سنة 1548، أرسله القديس اغناطيوس لمتابعة تنشئته الروحية في روما، وبعدها أرسله إلى كلية مسّينا لإنجاز أعمال داخلية متواضعة. بعد نيله في بولونيا شهادة الدكتوراه في اللاهوت في 4 أكتوبر 1549، عينه القديس اغناطيوس للعمل الرسولي في ألمانيا. في الثاني من سبتمبر من تلك السنة، 1549، زار البابا بولس الثالث في كاستل غاندولفو، من ثم توجه إلى بازيليك القديس بطرس للصلاة. هناك، التمس مساعدة القديسين الرسولين العظيمين بطرس وبولس لكي يمنحا فعالية دائمة للبركة الرسولية لقدره العظيم ورسالته الجديدة. وفي يومياته، يذكر بعض كلمات هذه الصلاة، فيقول: "هناك شعرت أن تعزية كبيرة وحضور النعمة منحا لي بواسطة هذين الشفيعين (بطرس وبولس). كانا يثبّتان رسالتي في ألمانيا، ويبدو أنهما كانا ينقلان إلي، كرسول ألمانيا، دعم عطفهما. أنت تعلم يا رب بكم طريقة وكم مرة في هذا اليوم عينه أوكلتَ إلي ألمانيا التي اعتنيتُ بها لاحقاً ورغبت في العيش والموت من أجلها".

يجب أن نتذكر بأننا في حقبة الإصلاح اللوثري، حين كان يبدو أن الإيمان الكاثوليكي في البلدان الناطقة باللغة الألمانية يتلاشى أمام جاذبية الإصلاح. كانت مهمة بيار كانيسيوس المكلف بإعادة إحياء وتجديد الإيمان الكاثوليكي في البلدان الجرمانية، شبه مستحيلة. لم تكن ممكنة إلا بقوة الصلاة. لم تكن ممكنة إلا انطلاقاً من المحور، أي من صداقة شخصية عميقة مع يسوع المسيح؛ صداقة مع المسيح في جسده، الكنيسة التي يجب أن تتغذى في سر الافخارستيا، حضوره الفعلي.

بعد تسلم المهمة الموكلة إليه من قبل اغناطيوس والبابا بولس الثالث، انطلق كانيسيوس إلى ألمانيا متوجهاً أولاً إلى دوقية بافاريا التي ظلت مركز خدمته خلال عدة سنوات. كعميد ورئيس ونائب مستشار جامعة إنغولشتات، اهتم بالحياة الأكاديمية للمعهد وبإصلاح الناس دينياً وأخلاقياً. وفي فيينا حيث كان مسؤولاً عن الأبرشية لفترة وجيزة، أتم خدمته الرعوية في المستشفيات والسجون، في المدينة كما في الأرياف، وحضر لنشر تعليمه. سنة 1556، أسس كلية براغ، وحتى سنة 1569، كان أول رئيس عام لإقليم الرهبنة اليسوعية في ألمانيا العليا.

في إطار هذه المهمة، أسس في البلدان الجرمانية شبكة وثيقة من جمعيات رهبنته، بخاصة من المعاهد. وهي التي أصبحت نقطة انطلاق للإصلاح الكاثوليكي، لتجدد الإيمان الكاثوليكي. آنذاك، شارك أيضاً في مؤتمر فورمز مع الزعماء البروتستانت ومن بينهم فيليب ميلانختون (1557)؛ وكان مبعوثاً بابوياً في بولونيا (1558)؛ وشارك في مجلسي أوغسبورغ (1559 و1565)؛ ورافق الكاردينال ستانيسلاس هوزيوز، سفير البابا بيوس الرابع لدى الامبراطور فرديناند (1560)؛ كما تناول الكلمة في الجلسة الأخيرة لمجمع ترينت، حيث تحدث عن مسألة الشركة تحت أعراض الخبز والخمر، وعن فهرس الكتب المحرمة (1562).

سنة 1580، ذهب إلى فرايبورغ في سويسرا مكرساً ذاته بالكامل للإرشاد وكتابة مؤلفاته. وتوفي هناك في 21 ديسمبر 1597. أعلنه الطوباوي بيوس التاسع طوباوياً سنة 1864، وأعلنه البابا لاوون الثالث عشر رسول ألمانيا الثاني سنة 1897. وخلال سنة 1925، أعلنه البابا بيوس الحادي عشر قديساً وملفاناً للكنيسة.

أمضى القديس بيار كانيسيوس قسماً كبيراً من حياته في معاشرة الأشخاص الأكثر أهمية في زمانه على الصعيد الاجتماعي، وترك أثراً استثنائياً من خلال مؤلفاته. نشر المؤلفات الكاملة للقديس كيرلس الإسكندري والقديس لاوون الكبير، ورسائل القديس إيرونيموس، وصلوات القديس نيكولا دو فلو. كما نشر كتباً للعبادة بلغات عدة، وسير العديد من القديسين السويسريين، والنصوص الإرشادية. لكن مؤلفاته الأكثر انتشاراً كانت التعاليم الثلاث التي كتبها بين عامي 1555 و1558. كان التعليم الأول موجهاً إلى الطلاب القادرين على فهم المبادئ اللاهوتية العامة؛ والثاني إلى الشباب من أجل تربية دينية أولية؛ والثالث إلى الشباب الذين أتموا تنشئة مدرسية في المرحلتين الثانوية والعالية. كانت العقيدة الكاثوليكية معروضة باختصار على شكل أسئلة وأجوبة في مصطلحات بيبلية، بوضوح كبير ومن دون جدل. في حياته فقط، أُحصيت 200 طبعة عن هذا التعليم! وتتالت مئات النسخات حتى القرن العشرين. وبالتالي في ألمانيا، كان جيل والدي ما يزال يسمي التعليم بـ "الكانيسيوس". إنه حقاً معلم ا لقرون لأنه كوّن إيمان الناس خلال قرون.

إحدى مميزات القديس بيار كانيسيوس هي القدرة على جمع الأمانة للمبادئ العقائدية مع الاحترام الواجب للأفراد. لقد ميز القديس كانيسيوس بين الارتداد الواعي والمذنب عن الإيمان، وفقدان الإيمان غير المذنب، بسبب الظروف. وأعلن أمام روما أن معظم الألمان الذين انضموا إلى البروتستانتية لم يكونوا مذنبين. وفي مرحلة تاريخية من التناقضات الطائفية، كان يتلافى – بشكل استثنائي – القسوة وخطاب الغضب – مما يعتبر نادراً، كما ذكرت، في أزمنة الجدل بين المسيحيين –، وكان يتطلع فقط إلى إظهار الجذور الروحية وإعادة إحياء الإيمان في الكنيسة. هذه هي القضية التي خدمها اطلاعه الواسع على الكتب المقدسة وعلى آباء الكنيسة: هذه هي المعرفة التي كانت ترتكز إليها علاقته الشخصية مع الله، والروحانية المتقشفة المنبثقة عن الورع الحديث والصوفية الراينلاندية.

تتسم روحانية القديس كانيسيوس بصداقة شخصية عميقة مع يسوع. يكتب مثلاً في يومياته في 4 سبتمبر 1549 متحدثاً مع الرب: "في النهاية، وكما لو كنت تفتح لي قلب الجسد الكلي القداسة، الذي بدا لي كأنني أراه أمامي، طلبت مني أن أشرب من هذا النبع، داعياً إياني إذا جاز التعبير إلى استقاء مياه خلاصي من ينابيعك، يا مخلصي". من ثم يرى المخلص يعطيه ثوباً من ثلاثة أقسام تسمى السلام والمحبة والمثابرة. وبهذا اللباس المؤلف من السلام والمحبة والمثابرة، أنجز كانيسيوس عمله على تجديد الكثلكة. إن صداقته مع يسوع – التي تشكل محور شخصيته – التي تغذت من محبة الكتاب المقدس، من محبة السر المقدس، من محبة الآباء، هذه الصداقة كانت بوضوح متحدة مع الإدراك بأنه في الكنيسة مكمّل مهمة الرسل. وهذا يذكرنا بأن كل مبشر حقيقي هو دوماً أداة موحدة مع يسوع وكنيسته، وهذا ما يجعله مثمراً.

كان القديس بيار كانيسيوس قد نمى الصداقة مع يسوع في الأجواء الروحية للدير الشارتري في كولونيا، حيث كان على صلة وثيقة مع متصوفين شارتريين اثنين هما جوهان لانسبيرغر، المسمى "لانسبيرغيوس" باللاتينية، ونيكولاس فان هيشي، المسمى إسكيوس باللاتينية. عمق لاحقاً تجربة هذه الصداقة، familiaritas stupenda nimis، بالتأمل في أسرار حياة يسوع التي تشكل جزءاً كبيراً من تمارين القديس اغناطيوس الروحية. هنا تحديداً يكمن أساس تعبده الشديد لقلب الرب، الذي يبلغ ذروته في تكريس ذاته للخدمة الرسولية في البازيليك الفاتيكانية.

في روحانية القديس بيار كانيسيوس المتمحورة حول المسيح، تتجذر قناعة عميقة: ما من نفس حريصة على كمالها لا تمارس يومياً الصلاة الفكرية، السبيل العادي الذي يسمح لتلميذ يسوع بالعيش في صحبة المعلم السماوي. لذلك، وفي المؤلفات المخصصة لتربية الناس روحياً، يشدد قديسنا على أهمية الليتورجيا مع تعليقاته على الأناجيل، والأعياد وطقس القداس والأسرار الأخرى. لكنه في الوقت عينه يحرص على أن يظهر للمؤمنين ضرورة وروعة الصلاة الفردية التي ترافق وتتخلل المشاركة في الشعائر العامة للكنيسة.

نحن هنا بصدد إرشاد وأسلوب يحافظان على أهميتهما، بخاصة بعدما اقترحهما مجدداً المجمع الفاتيكاني الثاني بشكل رسمي في الدستور "المجمع المقدس" (Sacrosanctum concilium): الحياة المسيحية لا تنمو إن لم تقتات من المشاركة في الليتورجيا، بخاصة في قداس الأحد، ومن الصلاة الفردية اليومية، والعلاقة الشخصية مع الله. وسط آلاف النشاطات والانشغالات التي تحيط بنا، من الضروري إيجاد أوقات يومية للتأمل أمام الرب للإصغاء إليه والتحدث معه.

في الوقت عينه، إن المثال الذي تركه لنا القديس بيار كانيسيوس ليس فقط بأعماله وإنما بخاصة بحياته، هو دوماً مناسب وقيّم. إنه يعلمنا بوضوح أن الخدمة الرسولية لا تكون قاطعة ولا تؤتي ثمار الخلاص في القلوب إلا إذا كان الواعظ شاهداً شخصياً ليسوع، وإنساناً قادراً على أن يكون أداة في تصرفه، متحداً معه بالإيمان في إنجيله وفي كنيسته، بحياة متماسكة أخلاقياً، وبصلاة لا تنقطع كالمحبة. وهذا ينطبق على كل مسيحي راغب في عيش اتحاده مع المسيح بالتزام وأمانة. شكراً.

نقلته إلى العربية غرة معيط (Zenit.org)

حقوق الطبع محفوظة لمكتبة النشر الفاتيكانية 2011                          

        

كلمة البابا خلال المقابلة العامة

تحدث فيها عن القديسة ماتيلد من هاكبورن

الفاتيكان، الأربعاء 29 سبتمبر 2010 (ZENIT.org) . – ننشر في ما يلي التعليم الذي القاه البابا بندكتس السادس عشر خلال المقابلة العامة اليوم في ساحة القديس بطرس.

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

اليوم أود أن أحدثكم عن القديسة ماتبلد من هاكبورن، من الأشخاص المهمين الذين عاشوا في دير هيلفتا، والتي عاشت في القرن الثالث عشر. أختها في الرهبانية، القديسة جيرترود الكبيرة، كتبت في الجزء الرابع من كتاب specialis gratiae “النعمة الخاصة” الذي يتحدث عن النعم الخاصة التي نالتها القديسة ماتيلد من الرب: “ننشر ذلك فقط لمجد الله وفائدة القريب، لأنه يبدو لنا أنه ليس عدلاً أن نلتزم الصمت حيال العديد من النعم التي منحها الله لماتبلد، وليس لها وحدها فقط، بل لنا جميعاً ولمن يأتون من بعدنا” (ماتيلد فون هاكبورن، النعمة الخاصة، عدد 4، 1).

هذا العمل كتبته القديسة جيرترود وراهبة أخرى من هيلفتا، وله تاريخ مميز. كانت ماتيلد، بعمر الخمسين سنة، تمر بأزمة روحية مرفقة بمعاناة جسدية. وفي ذلك الوقت، أعلمت رفيقتيها بالنعم الخاصة التي منحها إياها الله منذ صغرها، ولكنها لم تكن تعلم أنهما كانتا تكتبان كل شيء، وعندما عرفت بالأمر ارتبكت، ولكن الرب أظهر لها ما كُتب إنما هو لمجد الله وفائدة القريب. وهكذا فإن هذا العمل هو المصدر الأساسي الذي نعود إليه للتعرف على حياة وروحانية القديسة. معها نتعرف على عائلة بارون هاكبورن، من العائلات النبيلة والغنية لقربها من الامبراطور فريديرك الثاني، ومعها نتعرف أيضاً الى دير هيلفتا في سنوات نهضته. كان البارون قد اعطى الدير ابنة، جيرترود من هاكبورن (1231- 1232  –  1291-1292)، والتي كانت تتمتع بشخصية قوية. كانت رئيسة للدير لمدة 40 سنة، وقد أسهمت في إعطاء الدير طابعاً روحياً مميزاً. معها أزهر وبات مركزاً للتصوف والثقافة ومدرسة تنشئة علمية ولاهوتية. قدمت جيرترود الى الراهبات تنشئة فكرية عالية المستوى، ساعدتهن على تكوين روحانية ترتكز الى الكتاب المقدس والليتورجيا والتقليد الآبائي، وعلى قانون وروحانية القديسين برنارد دي كيارافالي وغوليلمو دي سانت تيري. كانت معلمة حقيقية، مثالاً في كل شيء، في التجذر في الإنجيل وفي الحماس الرسولي. ماتيلد من جهتها ومنذ حداثتها، تذوقت الجو الروحي والثقافي الذي خلقته أختها، مضيفة على كل ذلك وصْمتها الخاصة.

ولدت ماتيلد ما بين 1241 و 1242 في قصر هيلفتا. هي الإبنة الثالثة للبارون. عن عمر 7 سنوات، قامت برفقة والدتها بزيارة لأختها جيرترود في الدير في روديرسدورف. ومنذ ذلك الحين أرادت أن تنضم الى ذلك المكان. دخلت الدير عام 1258 وأصبحت راهبة في الدير الذي انتقل الى هيلفتا في هاكبورن.

تميزت بتواضعها وحماسها ومحبتها وصفائها وبراءتها، وبعمق علاقتها بالله والعذراء والقديسين. تمتعت بمزايا طبيعية وروحية عالية، كالعلوم والذكاء والمعرفة، مما جعلها كنزاً حقيقياً للدير على جميع الأصعدة. وهكذا أصبحت “عندليب الله” (كانت قد لقبت بهذا اللقب) مديرة مدرسة الدير، ومديرة الكورس ومعلمة الابتداء، وقد قامت بمسؤولياتها هذه بحماس كبير ليس فقط تجاه الراهبات، بل تجاه كل من أراد الاستفادة من حكمتها وطيبتها. بوحي إلهي، ألفت ماتيلد صلوات عديدة. إنها معلمة تتميز بعقيدة أمينة وتواضع كبير، مستشارة ومعزية ومرشدة في التمييز. “كانت توزع العقيدة بغزارة كبيرة لم يكن لها مثيل في الدير، ونخشى أننا لن نرى لها مثيل. كانت الراهبات تجتمعن حولها للإصغاء الى كلمة الله، كما حول واعظ. كانت الملجأ والمعزية للجميع، وكانت بهبة من الله قد حصلت على نعمة سبر أسرار قلب كل واحد. أشخاص كثيرون ومن بينهم مكرسون وعلمانيون، شهدوا بأن هذه القديسة العذراء حررتهم من آلامهم وأنهم لم يختبروا من قبل العزاء الذي اختبروه بالقرب منها.”.

عام 1261 وصلت الى الدير صبية بعمر الخمس سنوات اسمها جرترود: أوكِلت الى عناية ماتيلد التي كانت في العشرين من العمر، فنشأتها وربتها في الحياة الروحية الى أن جعلت منها ليس التلميذة الممتازة وحسب بل وحاملة أسرارها أيضاً. ما بين 1271 و1272 دخلت الى الدير أيضاً ماتيلد من ماغديبورغ، وهكذا بات المكان يضم أربع نساء عظيمات – ماتيلد اثنيتن وجرترود اثنتين – مجد الحياة الرهبانية الألمانية. خلال حياتها الطويلة في الدير، عانت ماتيلد من آلام شديدة، وزد على ذلك اعمال التكفير القاسية من أجل اهتداء الخطأة. وبهذه الطريقة اشتركت بآلام الرب حتى النهاية. كانت الصلاة والتأمل ركيزتي وجودها: الوحي، التعاليم وخدمة الآخر ومسيرتها في الإيمان وفي المحبة، كلها تجد جذورها في الصلاة والتأمل. في الكتاب الأول من “النعمة الخاصة”، جمعت كاتبتا العمل خواطر ماتيلد بمناسبة أعياد الرب والقديسين، وبخاصة في عيد العذراء. من المذهل قدرة هذه القديسة على عيش الليتورجيا ومكوناتها في حياتها الرهبانية اليومية. بعض الصور والتعابير قد تبدو بعيدة عن فهمنا ولكن عندما نأخذ بعين الاعتبار حياتها الرهبانية ودورها كمعلمة وكمديرة للكورس، نفهم قدرتها الفريدة كمربية ومنشئة، تساعد أخواتها على العيش بعمق كل الحياة الرهبانية، انطلاقاً من الليتورجيا. خلال الصلاة الليتورجية، تسلط ماتيلد الضوء على ساعات صلاة الفرض وعلى الاحتفال بالقداس، وبخاصة على المناولة. هنا غالباً ما تُخطف في نشوة وحميمية عميقة مع الرب في قلبه المضرم، في حوار رائع تطلب فيه النعم لجماعتها وأخواتها
. تتمحور حياة ماتيلد على أسرار المسيح التي ترشدنا إليها العذراء مريم، للسير على طريق القداسة: “إن اردتي القداسة الحقيقية، كوني قريبة من ابني؛ فهو القداسة بذاتها التي تقدس كل شيء” (1: 40). في حميميتها مع الله تستحضر العالم أجمع، والكنيسة وفعلة الخير والخطأة. بالنسبة لها، السماء والارض تتحدان. رؤاها وتعاليمها، كلها تعابير تشير الى اللغة الليتورجية والبيبلية. من هنا نفهم عمق معرفتها بالكتاب المقدس، خبزها اليومي. معها يأخذ الإنجيل الأولوية: “كانت كلمات الإنجيل بالنسبة لها غذاء رائعاً وكانت تثير في قلبها مشاعراً عذبة لدرجة أنها لم تستطع إكمال القراءة. كانت طريقة قراءتها للإنجيل تثير في الجميع الرغبة في الصلاة. وهكذا أيضاً عندما كانت ترتل في الجوقة، كانت كلها غارقة في الله، وكانت تشع بحماس يظهر في غالب الأحيان من خلال حركاتها… وفي أحيان أخرى كان تنخطف في النشوة لدرجة أنها لم تعد تسمع الآخرين ينادونها. في إحدى رؤاها، أوصاها يسوع نفسه بالإنجيل، وفتح جرح قلبه الطاهر وقال لها: “انظري كم هي عظيمة محبتي: إن أردتي التعرف إليها، ليس من مكان أفضل من الإنجيل: كما أحبني أبي، هكذا أن أيضاً أحببتكم”.

أيها الأصدقاء الأعزاء، الصلاة الشخصية وااليتورجيا، وبخاصة ليتورجية الساعات والقداس، هي أساس خبرة القديسة ماتيلد من هاكبورن الروحية. بعيشها بحسب الكتاب المقدس والخبز الافخارستي، قامت بمسيرة اتحاد حميم مع الرب، في الأمانة التامة للكنيسة. وفي ذلك دعوة لنا جميعاث لتعزيز صداقتنا مع الرب، وبخاصة من خلال الصلاة اليومية والمشاركة الأمينة في القداس. الليتورجيا هي مدرسة كبيرة في الروحيانية.

التلميذة جرترود تصف بتعابير مؤثرة الأوقات الأخيرة في حياة ماتيلد من هاكبورن. كانت أوقاتاً صعبة ولكنها كانت مستنيرة بحضور الثالوث الأقدس، الرب، العذراء وجميغ القديسين، وشقيقتها جرترود. عندما حانت ساعة انتقالها الى الرب، سألته أن تعيش المزيد في الألم من أجل خلاص النفوس، ففرح يسوع بعمل المحبة هذا. كانت ماتيلد في الثامنة والخمسين من العمر، وعاشت آخر مرحلة من الطريق نحو الرب في ثمان سنوات من المرض الشديد. “وعند قدوم ساعتها ناداها الرب: “تعالوا يا مباركي أبي، تعالوا ورثوا الملكوت”… وضمها الى مجده” (6: 8).

ماتيلد من هاكبورن توكلنا الى قلب يسوع الأقدس والى العذراء مريم. تدعونا لنسبح الابن بقلب الأم ولنسبح مريم بقلب الإبن: “سلام أيتها العذراء الكلية الطوبى، التي انتشر فيك الندى الحلو من قلب الثالوث الأقدس؛ سلام في المجد والغبطة الأبدية، انت التي اختارك الرب من بين مخلوقات السموات والأرض قبل خلق العالم! آمين (1: 45).