Sainte-Sophie, mosaïque de la Vierge Marie Theotokos © wikimedia commons - Phi-Gastrein~commonswiki

العذراء القديسة مريم شفيعتنا – تابع

إفعلوا ما يأمركم به

Share this Entry

أعطت الكنيسة الكاثوليكيّة بفكرها وتعليمها ولاهوتها وإكرامها، العذراءَ مريم، المكانةَ الفريدة والمميّزة، كونها “العذراء”، أمّ الله التي حملت في أحشائها المسيح الكلمة الإله المتجسّد؛ “الكلمة صار جسدًا وحلًّ بيننا”.

في قبولها لكلام الملاك المُرسل من الله “ها إنّك تحبلين وتلدين” بقولها “ليكن لي حسب قولك” صارت لنا العذراء نموذجًا في الطاعة والقبول من جهة، وفي حياة الطهارة البرئية من الخطيئة، من جهةٍ أخرى لتنقل النعمة والبركة لكل إنسان يطلب شفاعتها

بامرأة واحدة عصت وتمرّدت، حوّاء العهد القديم، دخلت الشهوة قلبَ الإنسان وهذه الشهوة جرّت اللعنة واللعنة جلبت الخطيئة والخطيئة صيّرت الموتَ سيّدًا على حياة الإنسان.

وبامرأة واحدة، حوّاء العهد الجديد، مريم العذراء، قبلت وأطاعت، دخلت النعمة والبركة اللتان قادتا البشريّة إلى يسوع المسيح، نبعِ الحياة الجديدة وصار هو سيّد الحياة وربّها ” لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها”.

قبول مريم أن يتجسّد يسوع المسيح منها، ليس حقيقة تاريخيّة فحسب، إنّما هو واقع حيً يؤثّر بشكل قويّ وفعّال في حياة المؤمنين وبالتالي تقول الكنيسة وتُقرّ ونحن أيضًا بأنّ شفاعة العذراء مريم شهادةٌ قويّةٌ على رعايتها الأموميّة للبشريّة جمعاء، وعلى علاقتها الخاصّة بابنها الإلهيّ، وهكذا، هي منارةٌ تدلّنا على ابنها وتقودنا نحو الطريق والحقّ والحياة.

هذا الدور الأموميّ والشفاعيّ للعذراء مريم، إذًا، ينبع من العلاقة الوثيقة بيسوع كونها والدته التي حملته تسعة أشهر في حشاها ومنها اغتذى جسمه الإنسانيّ.

لا شكّ في أنّ مريم نالت حظوةً عند الله الذي جعلها بريئة من الدنس، لكنّها كانت إناءً ملائمًا لإرادة الله، صفحةً بيضاء أسلمت ذاتها لمشيئته القدّوسة التي قرّرت، في ملء الزمن، أن تحقّق مخطّط الخلاص (أنا أمًّة الرب لو١: ٣٨). وهي، بطاعتها المحبّة والمتواضعة، لا بل بتعبّدها لله، امتلأت نعمًا .

لم يذكر العهد الجديد من العذراء مريم كثيرًا ولكن، ما ذكره عنها أتى ببلاغة قصوى وعليه، بنَت الكنيسة لاهوتها المريميّ.

تعدّ حياة مريم، من البشارة إلى الصلب، حينما وقفت إلى جانب ابنها، عند أقدام الصليب (يو١٩: ٢٥-٢٧)، شهادةً على دورها المحوريّ في خطّة الله المُعدّة منذ البدء لخلاص الإنسان.

وهي كأمٍّ له (في البشارة)، وبصفتها التلميذة الأولى للمسيح (عند الصليب)، صارت الأكثر إخلاصًا له بين البشر في كلّ زمان ومكان، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، كونها أختنا في البشريّة، هي الإنسانةُ الوحيدة القادرة أن تُدرك صراعاتنا واحتياجاتنا. لهذا كلّه، نحن نصلّي إليها ونقول لها اسألي الربّ عنّا يا والدة الإله ليصنع معنا رحمة ويمنحنا خلاصًا.

لنقرأ حدث عرس قانا (يو ٢: ١-١٢) حيث ظهر دورها كمثالٍ حيّ على قوّة شفاعتها؛ فعندما نفد الخمر، كانت أوّل من لاحظ الحاجة فأخبرت يسوع، ولم تكن لتفعل هذا لولا ثقتها به، فتمّت “أولىّ آياته”.

بالتالي، يتّضح دورها جليًّا في هذا الفعل إن لجهة اهتمامها باحتياجات البشر أو لجهة ثقتها بقدرة ابنها على تلبية هذه الاحتياجات.

أمّا كلماتها للخدم: “افعلوا ما يقول لكم”، فهي لازمةٌ لإرشادها الدائم للمؤمنين: ثقوا بيسوع فهو من غلب العالم واتبعوا وصاياه وإسكلوا في دربه.

في التقاليد الكنسيّة ولا سيّما الكنيسة الكاثوليكيّة، يلجأ المؤمنون إلى مريم كونها أُمًّا وشفيعة من خلال صلوات كالتبشير الملائكيّ والمسبحة الورديّة والتماجيد “الذكصولجيّات” وخصوصًا في الليتورجية القبطيّة التي تخصّص شهرًا كاملًا مليئًا بالمدائح والتماجيد هو شهر ديسمبر ويطلق عليه في شهور السنة القبطيّة شهر كيهك. هي مرحلة  روحيّة من أجل الاستعداد لعيد الميلاد. كما هنالك الأصوام التي تعيشها الكنيسة قبل عيد انتقال العذراء مريم بالنفس والجسد إلى السماء.

تبعُدُ هذه الصلوات والممارسات البعدَ كلّه عن التكرار أو الروتين لأنّها تأمّلات عميقة في أسرار حياة المسيح المتجسّد في أحشاء “ابنة داود”. كما أنّها لا تشكّل عبادةً لها -والعبادة لا تصحّ إلّا لله – أي ليست انتقاصًا من التوجّه إلى الله وعبادته، بل هي تكريمٌ للعذراء وتقوى بنويّة لها تعمّق فهمنا لمحبّة المسيح ورحمته ولدورها كوالدة الإله، حاملة الله، ولقرْبها الذي لا مثيل له من يسوع. هذا القرب يُؤكّد لنا قوّة شفاعتها لنا. هذا ما يُشار إليه في كتاب التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة فقرة 970 “دور العذراء مريم كـ “وسيطة” و“أمّ” للمؤمنين. تؤكّد الفقرة بوضوح أنّ هذا الدور الأموميّ لا يُضيّق ولا يُنقص البتّة من وساطة المسيح “الوحيدة”، بل يُظهر فعاليّتها.

كما تنص الفقرة 971 من الكتاب عينه عن التكريم للعذراء مريم لأجل دورها الأموميّ والشفاعيّ “فها منذ الأن تطوبني جميع الأجيال “: “تكريس الكنيسة للعذراء مريم جزء لا يتجزّأ من الحياة  المسيحيّة  والصلاة

  عندما نكرّم العذراء مريم، ونتوسّل إليها كأمٍ وشفعية، نُعلن بإيمان ووعي أنّها مثالٌ يُحتذى به في التلمذة الكاملة التي تقوم على مبدأ العيش بثقة كاملة في الله وطاعة حقيقيّة محبّة له.

العذراء أمّنا، شخصيّة محوريّة في رحلتنا الروحيّة وفي سيرنا نحو الآب، لأنْ باستطاعة كلّ مؤمن أن يتبع دربها ليدخل، بالإيمان، في علاقة حيّة مع الله. كما أنّ شفاعتها لنا مصدر عزاء وقوّة، وهي التي سلمنا الربّ يسوع إليها وهو على الصليب.

صلاة من وحي الليتورجيا القبطية تُتلا في صلوات الساعات “الأجبية” قبل البدء بقانون الإيمان:  

نعظّمك يا أمّ النور الحقيقيّ ونمجّدك أيّتها العذراء القدّيسة، والدة الإله، لأنّك ولدت لنا مخلّص العالم، أتى وخلّص نفوسنا.

المجد لك يا سيّدنا و ملكنا المسيح، فخر الرسل، إكليل الشهداء، تهليل الصدّيقين، ثبات الكنائس، غفران الخطايا.نبشّر بالثالوث القّدوس، لاهوت واحد، نسجد له و نمجّده.

الأب أنطونيوس مقار ابراهيم

راعي الأقباط الكاثوليك في لبنان

إدعم زينيت

إدعم زينيت. متوفّرة بخمس لغات، يموّلها القرّاء. إشترك تبرّع

Share this Entry

الأب أنطونيوس مقار ابراهيم

راعي الأقباط الكاثوليك في لبنان

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير