مريم العذراء في فكر الدويهي: أمومة كونية وحضور إنساني نابض

عيد انتقال مريم العذراء بالنفس والجسد إلى السماء

Share this Entry

لم يكن البطريرك العلامة مار اسطفان الدويهي (1630 – 1704) مجرد مؤرخ مدقق أو لاهوتي تقليدي، بل كان صاحب رؤية روحية إنسانية عميقة، تجلت بأبهى حللها في نظرته إلى مريم العذراء. في فكر الدويهي، لا تقف العذراء مريم كأيقونة جامدة خلف المذابح، بل هي شاهدة على الألم الإنساني، ورمز الكرامة البشرية، والأم القريبة التي تشعر بوجع أبنائها. لقد صاغ الدويهي لاهوتاً مريامياً يمزج بين جلال السماء وبساطة الأرض، مقدماً العذراء كنموذج حقيقي للإنسان.

تتجلى مريم العذراء كأجمل رمزٍ لكرامتنا الإنسانية المستردة. ففي زمنٍ عاش فيه الشعب الماروني وأبناء المشرق مرارة الاضطهاد، وقسوة الفقر والتهميش، لم يأتِ البطريرك الدويهي في كتاباته مثل “منارة الأقداس” بنظريات جافة، بل قدّم مريم كدليلٍ حيّ وصارخ على قيمة الإنسان الغالية عند الله. هي المرأة التي هزمت اليأس بنعمِها الصافية. ويرى فيها الدويهي تحريراً حقيقياً لطبيعتنا البشرية؛ ف باختيارها لتكون أماً للكلمة المتجسد، رفع الله البشرية جمعاء إلى مقامٍ غير مسبوق. لم تكن “مريم البريئة من كل عيب” ولكنها في فكر الدويهي مجرد نصوص لاهوتية جامدة، بل هما تجسيدٌ لأعلى درجات التضامن الإلهي والحب الذي يرمم الإنسان المشوّه بالخطيئة والألم، ليعيد إليه صورته الأولى البهية. مريم، ببساطة، هي بكرُ بشريتنا المتجددة، والرجاء الحقيقي لكل بائسٍ ومكسور.

مريم العذراء هي رمز الكرامة الإنسانية المرفوعة، ففي زمنٍ عاش فيه الشعب الماروني والمشرقي عموماً ظروفاً قاسية من الاضطهاد والفقر والتهميش، أطلّ الدويهي من خلال كتاباته (مثل منارة الأقداس) ليقدم مريم العذراء كدليل صارخ على قيمة الإنسان ومكانته عند الله. وهي المرأة التي هزمت اليأس، يرى الدويهي في مريم تحريراً للطبيعة البشرية. باختيارها لتكون أماً للكلمة المتجسد، رفع الله البشرية جمعاء إلى مصافٍ غير مسبوقة. وهي تضامن الإله مع الإنسان، في الفكر الدويهي، مريم البريئة من كل عيب وولادة المسيح ليسا مجرد أفكار جامدة، بل هما فعل حب إلهي يعيد للإنسان المشوّه بالخطيئة والألم إلى صورته الأولى البهية.

لقد تميز الفكر المريمي عند الدويهي ببعده الوجداني والعلمي الشديد. فلم يخاطب مريم كملكة بعيدة في سماء بعيدة، بل كأَمٍّ حنون تمتلك حواساً بشرية تشعر وتتألم:

  1. عينٌ ساهرة في زمن المحن: يصف الدويهي العذراء بأنها الملجأ الحصين للمضطهدين. وفي أوقات المجاعات والأوبئة والحروب التي عاصرها، كان يلجأ إليها ويقود شعبه نحوها، ليس كفعل واحب ديني، بل كطفل يركض إلى أحضان أمه طلباً للأمان.
  2. مريمُ أمُّ اللهِ التي عاشت مِلْءَ الإنسانية: يؤمن الدويهي بـ “الوساطة الوالدية” لمريم فهي تتشفع لنا أمام ابنها. وبما أنها عاشت مشاعر الأمومة الأرضية بكل تفاصيلها – من خوفٍ على طفلها، وهجرةٍ إلى مصر، وسيرٍ في طريق الآلام – فهي أقدر من يفهم دموع الأمهات، وحسرة الآباء، وضياع الأبناء. إنها “الأم التي تفهم لغة الصمت والدموع”.

العذراء في الليتورجيا والأيقونة: تجسيد الجمال الإنساني

أولى الدويهي اهتماماً بالغاً بالفن والألحان المارونية. وفي هذا السياق، لم تكن مريم مجرد عقيدة تُدرس، بل حياة تُعاش وتُرتل:

  1. أيقونة الجمال الطاهر: في شرحه الليتورجيا، يبرز الدويهي وجه مريم كوجه يشع سلاماً داخلياً، وهو السلام الذي يحتاجه كل إنسان يعيش في صخب العالم وقلقه.
  2. الشاهدة على الفداء: يركز الدويهي على وقوف مريم عند الصليب. هذا الموقف ليس مجرد مشهد تاريخي، بل هو قمة التضامن الإنساني مع الألم. مريم عند الصليب هي تعبير عن كل إنسان يقف عاجزاً أمام معاناة من يحب، لكنه يظل متمسكاً بالرجاء.

إن الفكر المريمي عند البطريرك القديس اسطفان الدويهي هو دعوة لـ “أنسنة الإيمان”. لقد أراد الدويهي أن يقول لشعبه، وللإنسانية جمعاء، إن مريم العذراء ليست غريبة عنا؛ إنها واحدة منا، جُبلت من طينتنا، ونالت النعمة لتفيض بها علينا. من خلال هذا الفكر، يبقى حضور مريم في الكنيسة المشرقية حضوراً حياً، دافئاً، ويومياً. إنها ليست مجرد شفيعة في السماء، بل هي رفيقة درب الإنسان في وادي الدموع، تمسح جراحه، وتلهمه القوة ليحيا كرامته الإنسانية كاملة، متطلعاً دائماً نحو نور القيامة.

إدعم زينيت

إدعم زينيت. متوفّرة بخمس لغات، يموّلها القرّاء. إشترك تبرّع

Share this Entry

سليمان فرنجيه

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير