عاش البطريرك إسطفان الدويهي (1630–1704) عمره كلّه حاملاً همّ شعبه ووطنه بقلب مليء بالإيمان والمحبة. سافر طفلاً من بلدته إهدن إلى روما طلباً للعلم، لكنه عاد متجرداً من كل مظاهر التفاخر، لينذر حياته للطائفة المارونية، متخذاً من المغاور والأديرة حصناً له في زمن قاسي ومليء بالاضطهاد والصِّعاب.
لم يكن قلمه مجرّد أداة لتأريخ الأحداث، بل كانت أمانة غالية وثّق بها حكايات أناس أثقلتهم الحياة، فحفظ تراثهم وهوية بلادهم من الضياع. قضى أيّامه خادماً متواضعاً، يتنقل بين الجبال ليحمي رعيته، إلى أن رحل بهدوء عام 1704 تاركاً إرثاً من النقاء والقداسة تُوّجت رسمياً بإعلانه طوباويّاً. تميز عهد البطريرك اسطفان الدويهي بانفتاح واسع وحكمة عالية في معالجة العلاقات مع الكنائس الأخرى، في مرحلة اتسّمت بالكثير من التحديات والانقسامات العقائدية والسياسيّة في الشرق والغرب. تتجلى علاقاته المسكونية وجهوده في هذا المجال في المحاور التالية:
- الانفتاح على الكنائس الشرقية الأخرى:
- روح الحوار والتعايش: عاش الدويهي في بيئة شرقية متنوعة، وكان حريصاً على توطيد أواصر المحبة والاحترام المتبادل مع البطاركة ورؤساء الكنائس الشرقية الأخرى في لبنان وسوريا والشرق (كالكنائس الأرثوذكسية والسريانية وغيرها).
- الدفاع عن الإرث الأنطاكي المشترك: ركّز في مؤلفاته الطقوسية والتاريخية على الجذور الأنطاكية العريقة، مما جعل تراث الكنيسة المارونية جسراً ثقافياً وروحياً يربط بين الشرق والغرب، مؤكداً على الهوية المشرقية المشتركة.
- العلاقة مع الكرسـي الرسولي في روما:
- العمق الروماني: بحكم نشأته وتخرجه من المدرسة المارونية في روما، كانت معرفته بالدوائر الفاتيكانية عميقة، مما مكّنه من نسج شبكة علاقات قوية مع البابوات ومجمع نشر الإيمان.
- تثبيت الشراكة الكاثوليكية مع الحفاظ على الخصوصية: عمل الدويهي على توثيق الشركة التامة مع الكنيسة الكاثوليكية وروما، لكنه في الوقت ذاته كان مدافعاً غيّور عن استقلالية الطقوس المارونية وتقاليدها الشرقية في وجه بعض محاولات اللَيتَنة (فرض الطقوس اللاتينية الغربية) التي كان يدفع باتجاهها بعض المرسَلين الغربيين. استطاع بحكمته حماية الهوية الليتورجية والتقليدية للموارنة داخل الشركة الكاثوليكية.
- مواجهة التحديات العقائدية بروح الحوار والتعليم:
- لم تكن العلاقات المسكونية في عصره مجرّد دبلوماسية كنسية، بل شملت توضيح العقائد بالحجة والبرهان ضد التيارات والبدع التي ظهرت آنذاك.
- كتب الدويهي مؤلفات عديدة للرد على الانتقادات الموجهة للكنيسة المارونية (ولا سيما اتهامها بالبدع القديمة كالمونوثيلية أو المارونية)، وأثبت بالوثائق والمراجع التاريخية والابائية الأرثوذكسية والكاثوليكية على حد سواء، أصالة الإيمان الماروني وانتماءه التقليدي للكرسي الأنطاكي.
من خلال هذا العرض، أحببت أن أظهر وجه من وجوه الدويهي التي لم يعهد على الكلّ.
نشكر قراءتكم المقال. إن أردتم تلقّي الأخبار اليوميّة من زينيت عبر البريد الإلكترونيّ، يمكنكم الاشتراك مجانًا عبر الضغط على هذا الرابط