لماذا يجب أن نعود إلى ذواتنا؟ ولماذا يعتبر الروحيون هذا الرجوع مثل ارتداد أول إلى الذات ومثل توبة أولى؟

لأن هناك ترابط وثيق بين خبرة الذات الأصيلة وخبرة الله. فلكي أستطيع أن أقول: "يا رب، إليك أرفع نفسي" (راجع مز 25، 1)، لا بد أن يكون لي علاقة وتواصل مع نفسي هذه! فالمرء يقدم ما يملك، وإذا كنت لا أملك ولا أتمالك نفسي، فماذا أقدم للرب؟ لهذا ضبط النفس وتمالك النفس هي أجزاء من ثمر الروح بحسب القديس بولس (راجع غل 5، 22). وصلابة المسيرة الروحية ترتكز على الأصالة النابعة من عدم "نفي" النفس من الحياة الروحية. فالكثير من مسيرات الحياة الروحية تنقطع بين ليلة وضحاها، لأن الإنسان لم يعيش هذه الحياة الروحية بحضور شخصي أصيل، بكل كـ "فوشة كبد" سطحية، لم تعانق أعماق النفس ولم تُشركها في خبرة الله بشكل كامل. بكلمة، الحياة الروحية تحتاج إلى قطبين لا يمكن الفصل بينهما: الله والنفس. لا يمكننا أن نلتقي بالله على هامش ذواتنا. والارتداد الأول إلى الذات هو إذا ختم "شخصنة" الحياة الروحية.

لدينا في هذا الصدد شهادة مؤثرة في القديس أغسطينوس العظيم، الذي يدعو في إحدى خطاباته المؤمنين إلى أن يكونوا حاضرين أمام الحاضر الدائم، أمام الرب:

"أدخلوا إلى قلوبكم! أين تريدون الذهاب بعيدًا عن ذواتكم؟ إذا ذهبتم بعيدًا ضعتم. لما تختارون سبلاً قاحلة؟ عودوا من ضياعكم الذي حملكم خارج السبيل القويم؛ عودوا إلى الرب. فهو حاضر دومًا. عد أولاً إلى قلبك، أنت الذي صرت غريبًا عن نفسك بسبب هيامك على وجهك دون وِجهة: لا تعرف ذاتك وتريد البحث عن ذاك الذي خلقك؟!"[1].

ولكي لا يكون البحث عن المُطلق نوعًا من الانزواء والانطواء على خيال واهم، يجب أن يمر الإنسان في ذاته. فما هو سامٍ لا ينفي ما هو باطن، بل يطلبه ويكمله[2]. من هنا نفهم لماذا ذكر البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته "الإيمان والعقل" أن المسيرة الروحية تمر من خلال الـ "gn­­ōthi seautón " (اعرف نفسك). فإنجيل توما المنحول يضع على فم يسوع هذه الكلمات: "من يعرف كل شيء وكلنه لا يعرف نفسه، يجهل كل شيء" (لوغيون 66). هذا وإن معرفة الذات ليست مجرد معرفة مجردة، بل هي معرفة اعتراف بالواقع الشخصي المحدود والذي يتمتع بتوق مطلق يتجاوز المحدودية الشخصية. وهذا الاعتراف هو ضروري لعيش الحياة الروحية لا كهواية بل كعشق إلهي شغوف، أصيل وكليّ.

حتى الفلسفات العظيمة تشارك هذا المفهوم الديني الأساسي. فمن الأهمية بمكان أن نرى – بحسب ما يشرح بول ناتورب – الوجه الصوفي الذي يتخفى وراء الوجه الأسطوري في حوارات أفلاطون. على سبيل المثال، يتضمن حوار "مانون" مبدأ التذكر، الذي يدعونا عمليًا إلى أن نتذكر ذواتنا، أي أن نعرفها بشكل متعمق[3]. فالمعرفة تنشأ من خلال الرجوع إلى الذات.

وينطبق الأمر نفسه على فلسفة أفلوطين، حيث نرى أن طريق التذكر ليست رجوعًا إلى ماضٍ خيالي وخرافي، بل هي رجوع إلى الذات. ففي الاتجاه عينه، يقول الفيلسوف الفرنسي جان لوي كريتيان شارحًا أفلوطين: "طريق التذكر هو طريق نحو الذات، نحو ما هو كامن فينا وما يبقى منا دومًا، دون تبدل، دون تحول، والذي ننساه دون أن نخسره لهذا. نحن بصدد رجوع إلى الأصل، إلى الأصل الذي لم نتركه في الأصل"[4].

هذه الوقفة الفلسفية، لا تفصلنا عن موضوعنا، بل تضعنا أمام حقيقة يعالجها كل إنسان، وليس فقط الإنسان المتدين. ولربما كان من المفيد أن نلخص الفكرة باقتضاب وبساطة: لكي نفهم حاضرنا، يجب أن نزور ماضينا، أن نجعله خاصتنا من جديد. فأنا الحاضر هو ابن أنا الماضي. نسيان الهوية الشخصية هو نوع من الجحود وكل مسيرة روحية يجب أن تبدأ بـ "إعادة اكتشاف الذات التي تقوم بالمسيرة. فلا بد لكل بحث صادق أن يبدأ بإيجاد الذات"[5].

(يتبع)

[1] Agostino, Commento al vangelo di Giovanni 18, 10.

[2]Tommaso d’Aquino, Somma teologica I q. 1 a. 8 ad 2.

[3] Cf. P. Natorp, Dottrina platonica delle idee. Una introduzione all’Idealismo, Vita e Pensiero, Milano 1999, 44.

[4] J.-L. Chrétien, L’indimenticabile e l’insperabile, 54.

[5] J.-L. Chrétien, L’indimenticabile e l’insperabile, 56.

"ما هو الحق؟"

مشهدٌ غريب وصعب:
يسوع المسيح، الخالق و ديّان العالم، يُقدّم كسجين و مجرم!! 
في دارة بيلاطس البنطي بعد جلده بشراسة، وقف ابن الله الأزلي تحت الإستجواب. وفي معرض محاكمته، قام الحاكم الروماني بطرح سؤالًا غاية في الأهمية: 
“ما هو الحق؟”. 
و لكن، كالعديد بيننا إفتقر بيلاطس إلى التواضع والصبر والحكمة في بحثه عقب الحقيقة و أضاعها… لم ينتظر جواب الربّ، وخرج…
خرج ليعلن براءة سيحكم عليها صلباً!
خرج مقدّماً العدل ثمناً لرضى قيصر.
خرج يغسل يديه من دم البريء الذي حكم عليه إرضاءً لشهوة السلطة.
“ما هو الحق”؟؟؟
قال له يسوع: “أنا هو الطريق والحق والحياة”. (يوحنا 14:6)
إنّها إجابة الربّ التي إستبقت سؤال بيلاطس… فقبل صمت الربّ الآني أمام السؤال الذي لم ينتظر جواباً، يسوع كان قد أعلنها بين الجموع:
أشياء كثيرة قد تحتوي على حقّ، ولكن شيء واحد يمكن أنْ يكون هو الحق. والحق يجب أنْ ينبع من مكان ما، من شخص ما، أكثر من مجرّد إنسان: وهو المسيح!!
إنّه، هو، الحق و جوهره.
إنّه، هو، الحق الذي يبدّد كلّ ما هو باطل.
إنّه، هو، الحق الذي يسقط كلّ قناع.
“ما هو الحق”؟؟
عندما طرح بيلاطس هذا السؤال كان يحدق بعينيّ الحق… 
ولكنّه خرج، لم يتخذه طريق!!
وسنين بعد المحاكمة الظالمة التي علّقت البريء فوق خشبة الصليب، يأتي خبر من يوسابيوس، المؤرّخ وأسقف قيصرية، أنّ بيلاطس انتحر أثناء حكم كاليجولا. في هذه النهاية المؤسفة للحاكم الروماني ما يذكر عالمنا الذي أقلقه هذا السؤال لفترة طويلة: أنّ تجاهل الحق ينتج الموت. 
أنّ تقديم المسيح لصليب لامبالاتنا ومصالحنا الضيّقة ينتج الموت.
اليوم، علّنا نضحي ممن هم على إستعداد للوقوف بتواضع على أبواب الحكمة، مدركين أنّ الربّ هو الحق، وهو غاية في الأهميّة: فإدراكنا هذا يقررّ حياتنا والأبديّة … والأبديّة طويلة جدّاً ومن المفجع أن نكون مخطئين بشأنها.
اليوم، على عكس بيلاطس، علّنا نختار الحق في وجه ضلال كلّ صالبيه!!!

بعدان مترابطان في سر الافخارستيا

ربما لن تواجه الكنائس في أيامنا هذه المشاكل التي عاشتها الجماعات الأولى حول الافخارستيا والتي نستطيع أن نطلع عليها من خلال تذمر بولس لمن يحول مائدة الرب إلى مائدة تباهي وإلى تفنن في الطبخ والبذخ. إلا أن هذا لا يعني أننا سبرنا جوهر سر القربان المقدس بالكامل. فالكنيسة ستقضي كل تاريخها وهي تتعمق في فهم هذا السر السامي.

العثرات

وما بين الفاعل و المفعول / كيف يكون الاختيار و ما هو المصير ؟
نسمع كثيرا من مقدمين برامج دينية و وعاظ – من شيوخ و كهنة و غيرهم . هذه المقولة (هم ضحايا) عن شخص او مجموعة او شعب ما “ضل” الطريق بحسب وجهة نظر كل منهم – و التى ربما قد تدين تصرفاتهم هم ايضا فى كثير من الاحيان.
و إن كان هناك سؤال يوجه لهم عم من هم هؤلاء الضالين و لماذا ضلوا ؟       فإن أكثر ردودهم ستكون على “الارجح”/ ان هؤلاء لا يعرفون الحق.
و هذا حادث اليوم ما بين الفئات الواحدة.فى دين او عبادة او ايمان من اى نوع ما , مما هو موجود الان فى هذه الحياة.
والآن هل هذه المقولة سليمة ؟