أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء،
لقد أصغينا قبل قليل إلى أحد أشدِّ المقاطع الإنجيليّة التي تطلب التزامنا. ونعلم أنّ هذا الفصل نفسه يتضمّن أيضًا تحذيرًا لا يستطيع أيّ مؤمن أن يستهين به (راجع متّى 25، 41-45). اليوم، على شاطئ البحر، تصير الكلمة واقعًا ملموسًا: فهنا تصل حياة كثيرين مُثخنين بالجراح، وقد سُلِبوا كلّ شيء تقريبًا، لكن لم يُجرَّدوا من كرامتهم. هنا ينتزعنا الإنجيل من موقع المتفرّج المريح، ويضعنا أمام الأخ الذي يصل إلينا. ويسألنا هل نعرف أن نتعرّف على المسيح في الذين ينزلون إلى الشّاطئ وقد غلب عليهم الخوف والجوع والعنف، بعد أن عبروا الصّحراء والليل والبحر.
كما ترون، أحمل في يدي خاتم الصّيّاد. اسم هذا الخاتم نفسه يقودنا إلى بحيرة الجليل، حيث دعا المسيح بطرس وقال له: “سَتَكونُ بَعدَ اليَومِ لِلبَشَرِ صَيَّادًا” (لوقا 5، 10). قرأت الكنيسة في هذه الآية صورةً لرسالتها. غير أنّ هذه الوصيّة هنا، وفي أماكن أخرى مثل إل هييرّو (El Hierro)، تكتسب قوّةً حرفيّة ومؤلمة. فهذه الجزيرة، الصّغيرة بمساحتها والكبيرة بإنسانيّتها، شهدت وصول آلاف النّاس الذين اقتُلعوا من أرضهم وأُوكلوا إلى ضعف قاربٍ صغير. هناك من تمّ إنقاذهم في البحر، وأجسادٌ بلا حياة انتُشلت من المياه. لذلك لا يستطيع خليفة بطرس أن يبقى غير مبالٍ بهذه المرافئ. ولا تستطيع الكنيسة أن تتجاهل هذه المياه، ولا أيّ مكان آخر ما زال فيه الجوع، والعطش، والعنف، والخوف أو المنفى يجرح الكرامة الإنسانيّة. ولا يمكن لتلاميذ يسوع أن يعتبروا صراخَ الذين يصرخون في الليل غريبًا عنهم.
في لغة الكتاب المقدّس، يمكن أن يكون البحر صورةً للتهديد والظّلام والفوضى. ففيه يظهر لَوياتان، رمز القوّة التي تلتهم، ورَهَب، الاسم الذي يستحضر كبرياء القوى التي تنتفض على الله وعلى الحياة (راجع المزمور 74، 13-14؛ 89، 10-11؛ أشعيا 27، 1؛ 51، 9؛ أيّوب 26، 12). اليوم أيضًا هناك وحوش تجوب هذه البحار: عصابات (مافيات) تتاجر بيأس البشر، ومهرّبون يستعبدون النّساء والأطفال، ولا مبالاة كثيرين تسمح بأن يتمّ ابتلاع الفقراء في دوّامة الاستغلال والنّسيان.
غير أنّ الإيمان لا يقف مشلولًا أمام جبروت البحر. فنحن نؤمن بإلهٍ يُخضع الفوضى، ويضع حدًّا للشرّ، ويفتح طريقًا حين يبدو أنّ الموت هو الغالب. هكذا اختبر شعب إسرائيل الأمر عندما اجتاز البحر الأحمر ليخرج من العبوديّة ويسير نحو الحرّيّة (راجع خروج 14، 21-31). وهكذا نتأمّله في المسيح الذي مشى على المياه، وأعلن أمام العاصفة كلمة فيها سُلطة: “أُسكُتْ! اخرَسْ!” (مرقس 4، 39؛ راجع متّى 14، 25-27). هذا الصّوت لا يزال يتردّد في مواجهة القوى التي تلتهم وتستعبد وتُقصي إخوتنا وأخواتنا الكثيرين. وحيث أمر المسيح البحر بأن يَسكُت، لا تستطيع الكنيسة أن تبقى صامتة أمام الذين تُركوا لمياهه.
شكرًا على شهاداتكم ولأنّكم ذكّرتمونا ماذا يعني أن ننقذ الحياة. وشكرًا لكِ يا ماريّا (María) لأنّكِ ذكّرتِنا بما تقوم به مؤسّسة كاريتاس، والرّعايا وأُناسٌ كثيرون كلّ يوم. كلامك يُبيّن لنا أين يبدأ تحوّل النّظرة: عندما يتوقّف المهاجر عن أن يكون ”واحدًا من بين كثيرين“، وعندما يتوقّف عن أن يكون مجرّد فئة أو رقم. إذّاك فقط نفهم أنّ تلك الطّفلة يمكن أن تكون ابنتنا، وأنّ تلك الوجوه جزء من عائلتنا، وإذّاك لا يعود للضمير أيّ عذر. فالرّحمة تبدأ بأعمال صغيرة: أحيانًا ببعض البسكويت والقليل من الحليب، وأحيانًا أخرى بخمسة أرغفة وسمكتين (راجع متّى 14، 17-21). قد لا نقدر أن نجد الحلّ لكلّ شيء، لكن علينا أن نضع كلّ شيء بين يدي الله، ونكون حاضرين هناك حيث يتألّم الإنسان، وحيث لا تكفي الموارد ولا توجد لغة مشتركة، لكن الأعمال لا تزال قادرة على الكلام. أشكر من قلبي جميع الذين يشاركون في أعمال الإنقاذ والاستقبال والمرافقة، ويشهدون بأنّ الرّحمة الملموسة يمكنها أن تنقذ حياة الكثيرين وتغيّرها.
أيّتها العزيزة بليسّينغ (Blessing)، حتّى إن لم تكوني حاضرة هنا اليوم، فإنّ صوتك حاضر. شكرًا لأنّكِ شاركتِنا قصّتك. اسمكِ يعني ”بركة“، ويذكّرنا بأنّ كلّ حياة بشريّة هي بركة من الله. فلا أحد يمكنه أن يشتريها أو يبيعها أو يستغلّها أو يُقصيها، لأنّ صورة الخالق ومثاله يتألّقان في كلّ إنسان (راجع تكوين 1، 27). رويتِ لنا أنّكِ تركتِ بلدكِ لا لأنّكِ أردتِ ذلك، بل لأنّه لم يكن هناك خيار آخر. في كلامكِ نسمع مأساة أناس كثيرين أُجبروا على الرّحيل، لأنّ الفقر أو الحرب أو التّهديد أو الاستغلال أغلقوا أمامهم كلّ طريق آخر.
أودّ أن تصل هذه الرّسالة إليكِ وإلى نساء كثيرات وقعن ضحايا الاتّجار بالبشر والاستغلال: إن كان آخرون قد وضعوا ثمنًا لجسدكِ، فإنّ الله لم يتوقّف قط عن أن ينظر إليكِ كإنسان ذي قيمة لا تُقدَّر بثمن. وإن أرادوا أن يحبسوكِ في ماضٍ من الألم، فإنّ الله لا يزال يعدك بمستقبل أفضل. وإن عاملوكِ كشيء، فإنّ الكنيسة تريد أن تقول لكِ اليوم: أنتِ ابنة، أنتِ أخت، وأنتِ بركة. حياتكِ ليست للذين أساؤوا إليكِ، وجسدكِ ليس للذين استغلّوكِ، وأيّامكِ ليست للذين أرادوا أن يقيّدوك بالخوف! حياتكِ لله، ولها كرامة لا يستطيع أحد أن ينتزعها منكِ. ونحن نريد أن نسير معكِ إلى أن يعود هذا الحقّ إلى إسماع صوته، أقوى من الألم.
أيّها المهاجرون الأعزّاء، قبل أن أقول لكم أيّة كلمة أخرى، أريد أن أنحني أمام كرامتكم. أنتم لستم أرقامًا ولا ملفّات! أنتم أشخاص لكم عائلة وبيت تركتموهما وراءكم، ولكم أحلام لا يحقّ لأحد أن يحتقرها. وأريد أن أقول لكم أيضًا إنّ حياتكم يجب أن تُصان. لا تسلّموا حياتكم إلى الذين يتاجرون بها. ولا تصدّقوا الذين يعدونكم بفردوس سهل مقابل أجسادكم، أو أموالكم، أو صمتكم أو حرّيّتكم. هذه الوعود الكاذبة هي ”أغاني حوريّات البحر“ التي تُغوي، وهي صناعات للموت.
يجب أن تصير مأساتكم فحصًا للضمير لبلدانكم التي يجب عليها أن تهيّئ ظروف السّلام والعدل والتّنمية، وللبلدان التي تعبرونها، المدعوّة إلى حمايتكم ولألّا تترك الضّعفاء في أيدي الشّبكات الإجراميّة، ولأوروبّا التي لا يمكنها أن تعلن كرامة الإنسان ثمّ تعتاد أن يكون البحر الأبيض المتوسّط والمحيط الأطلسيّ مقبرَتَين بدون الحجارة التّذكاريّة على القبور، وللجماعة الدّوليّة المدعوّة إلى تعاون فعّال ومثابر.
يجب على الكنيسة أيضًا أن تواجه هذا الواقع. فاستقبال المهاجر لا يمكن أن يكون أمرًا ثانويًّا، ولا أن يفوَّض فقط إلى بعض المتطوّعين. نحن نجثو أمام المذبح لنسجد للمسيح الحاضر في الإفخارستيّا، ومنه نستمدّ القوّة والدّافع لنعيش المحبّة، لذلك لا يمكننا بعد أن ”نتجاهل“ أمام قوارب المهاجرين، لأنّ كلّ خدمة تنبع من الصّلاة، وكلّ التزام يعود إليها (راجع لوقا 10، 31-32).
من هذه الجزيرة، أودّ أن يصل صوت الذين تكلّموا اليوم إلى الذين بين أيديهم مسؤوليّات حاسمة – سُلطات مدنيّة، وبرلمانات، وحكومات ومنظّمات دوليّة – وأيضًا إلى الجماعات المسيحيّة، وسائر التّقاليد الدّينيّة وجميع الرّجال والنّساء ذوي الإرادة الصّالحة. لا يكفي أن نُدير شؤون الوافدين، أو أن نوزّع الأرقام والإحصاءات، أو أن نقوّي الحدود، أو أن نتأسّف على الوَفَيَات بعد وقوعها. فكلّ قارب عندما يصل لا يحمل مهاجرين فحسب، بل يحمل معه سؤالًا: أيّ عالم بَنَيناه، إن كان يجب على إخوةٍ كثيرين أن يخاطروا بالموت لكي يبحثوا عن الحياة؟
الكرامة الإنسانيّة تتطلّب طرقًا قانونيّة وآمنة، وعمليّات إنقاذ ومساعدة، وتعاونًا حقيقيًّا ضدّ المهرّبين، وحماية فعّالة للضحايا، ومسارات جادّة للاستقبال والاندماج، وسياسات تمكّن كلّ إنسان من أن يعيش بكرامة في أرضه. إن كان هناك حقّ في طلب اللجوء عندما تكون الحياة مهدَّدة، فهناك أيضًا حقّ في ألّا يُضطرّ الإنسان إلى الهجرة: الحقّ في البقاء في بيته من دون جوع، ومن دون حرب، ومن دون اضطهاد، ومن دون عنف، ومن دون أن تصير الأرض غير صالحة للحياة، ومن دون أن يسرق الفساد خبز الفقراء، ومن دون أن تدمِّر الأسلحة مستقبل الأطفال. لا يمكننا أن نعتاد على أن نُحصي عدد الموتى. فالكرامة الإنسانيّة لا تحمل جواز سفر، ولا تفقد قيمتها عندما تعبر الحدود.
الله الذي ”سيُديننا على المحبّة عند نهاية حياتنا“ (راجع القدّيس يوحنّا الصّليب، تنبيهات وأقوال، 57)، ليمنحنا أن نعرفه اليوم في الفقراء والغرباء، وليحرّرنا من النّظر إلى ألم الآخرين كما لو أنّه لا يعنينا. لترافق سيّدتنا مريم العذراء، سيّدة الكرمل، الذين وصلوا، ولتعزِّ الذين فقدوا أحبّاءهم، ولتسند الذين يستقبلونهم، ولتوقظ فينا جميعًا شجاعة الرّحمة.
يجب ألّا يتّهمنا التّاريخ بأنّنا حوّلنا ألم المتألّمين إلى مشهد مألوف على سواحلنا. لأنّ كلّ حياة تصل اليوم إلى هنا، على شاطئ البحر، تسألنا ماذا بقي من إنسانيّتنا. وسيُعرف، عاجلًا أم آجلًا، هل عرفنا كيف نحرس هذه الإنسانيّة، أم أنّنا تركنا اللامبالاة تتكلّم باسمنا. شكرًا جزيلًا.
***********
© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2026
Copyright © دائرة الاتصالات – Libreria Editrice Vaticana
