ترجمة ندى بطرس
في الفاتيكان، هناك حجّاج يحضرون القدّاس في كنيسة القدّيسة حنّة الصغيرة، وقد وجدوا مفاجأة سارّة. فغالباً ما يلتقون، بعد صلاة التبشير الملائكي التي يتلوها البابا يوم الأحد في ساحة القدّيس بطرس، براهب أغسطينيّ ودود، يُنشد بحماسة ويشارك في الاحتفال بالقدّاس في كنيسة القديسة حنّة. للوهلة الأولى، قد يظنّ المرء أنّه أحد الكهنة الذين تجاوزوا الثمانين من العمر ولا يزالون يخدمون في رعايا روما، لكن اتّضح أنّه أكبر كاهن سنّاً في الفاتيكان، إذ يبلغ من العمر 103 أعوام، بحسب ما ورد في مقال نشره القسم الإنكليزي من موقع زينيت، وهو بقلم ألما ريسيناس.
سيمَ الراهب الأغسطيني جويلي سكيافيلا Gioele Schiavella كاهناً في نهاية الحرب العالميّة الثانية، وخدم لمدة 81 عاماً ولا يزال يشارك في الاحتفال بالقدّاس. تمّت هذه السيامة وهو في الثانية والعشرين من عمره فقط، في 15 تموز 1945. في ذلك الوقت، كانت إيطاليا تتعافى من دمار الحرب العالميّة الثانية وتواجه حاجة ملحّة لإعادة البناء المادي والمعنوي والروحي. وقد جعلته هذه الظروف التاريخيّة أحد الكهنة القلائل في العالم الذين بلغوا – بل وتجاوزوا – عتبة الثمانين عاماً من الكهنوت.
وُلِد الأب جويلي، الذي يعني اسمه “الله فرحي”، في جيناتزانو. وهذه البلدة الصغيرة كانت أوّل وجهة للبابا لاون الرّابع عشر خارج روما في 10 أيّار 2025. تحتضن البلدة مزار سيّدة المشورة الصالحة، وهو دير للرّهبان الأغسطينيّين حيث نذر الأب جويلي نذوره الأولى عام 1938، وهو في السادسة عشرة من عمره، فيما أشاد البابا لاون الرّابع عشر به خلال زيارة رعويّة إلى رعيّة القدّيسة حنّة في 21 أيلول في بداية عظته قائلاً: “أودّ أن أحيّي الأب جويلي سكيافيلا، الذي بلغ مؤخّراً سنّ الـ103”.
95 عاماً من الحياة و70 عاماً من الكهنوت: التوأمان الإيرلنديّان اللذان سيما معاً
هناك أيضاً قصّة أخرى جديرة بالذّكر، وهي قصّة الأخوين التوأمين الإيرلنديّين اللذين احتفلا مؤخّراً ليس فقط بعيد ميلادهما الخامس والتسعين، بل أيضاً باليوبيل البلاتيني لسيامتهما الكهنوتيّة، إحياءً لذكرى مرور سبعة عقود على انضمامهما إلى سلك الكهنوت الأبرشي عام 1956.
يقدّم الأب جو والأب مات كيلي شهادات مؤثّرة من منظورَين مختلفَين: فقد أمضى الأب جو سنوات في خدمة أبناء الرعيّة في جميع أنحاء أبرشيّة دبلن، وتحدّث بحنين عن الأماكن التي شكّلت شخصيّته، مستذكراً روعة “ارتباطه بجذوره” عندما أعادته إحدى أولى مهامه إلى رعيّة أجداده. أمّا الأب مات، فقد درّس الفلسفة لحوالى عشرين عاماً في كلّية كارلو، وخدم في رعايا مختلفة، مُكرِّساً جزءاً كبيراً من حياته للموسيقى المقدّسة، قيادة الجوقات، والخدمة الرعويّة.
على الرّغم من اختلاف مناصبهما في كنائس مختلفة، إلّا أنّ كلّ هذا يدعو للتأمّل، لأنّه من النادر أن يصبح توأمان كاهنَين. يُقال إنّ التوائم يتشاركون قدرة فطريّة، ونظرة متشابهة للحياة، مع رابط دائمٍ وحاضر. وفي هذه الحالة، لم يستمرّ هذا الرابط خلال الطفولة فحسب، بل امتدّ على مدار 70 عاماً من الكهنوت، ممّا يجعل هذه القصّة أكثر تميّزاً. لم يكونا مجرّد أخوين كبِرا معاً، بل رجلين استجابا لنفس الدّعوة على مرّ الزمن.
العمر ليس علامة على ترك الخدمة الكهنوتيّة
يواصل الكهنة الكاثوليك المسنّون ممارسة خدمتهم في أنحاء كثيرة من العالم، حتى مع بدء ظهور القيود الطبيعيّة للشيخوخة على أجسادهم. يستمرّ بعضهم في سماع الاعترافات، ويزور آخرون المرضى، ويحتفلون بالإفخارستيا، أو ببساطة يظلّون موجودين للإصغاء، ويصبح وجودهم شهادة صامتة تُشكِّل تحدّياً لمجتمعٍ يتّسم بالعجلة والإنتاجيّة وإهمال كبار السنّ.
نُشير هنا إلى أنّ القانون الكنسيّ لا يُحدِّد سنّاً قصوى للكهنوت، لأن سرَّ الكهنوت دائم، إلّا أنّه يُحدِّد سنّ التقاعد الرسميّ عند 75 عاماً للتخلّي عن مناصب المسؤوليّة المباشرة (مثل ممارسة بعض الوظائف)، فيما كاهن الرعيّة مُلزَم عند بلوغه السبعين بتقديم استقالته من منصبه إلى أسقف الأبرشيّة.
في عالمٍ سريع الخطى حيث يبدو كلّ شيء زائلًا، تكتسب صورة الكاهن المُسنّ، الذي يُواصل إقامة القدّاس، قيمة رمزيّة عميقة، فهو يُمثِّل الثبات والتفاني والإيمان الراسخ. ويُذكِّرنا هذا بأنّ هناك التزامات لا يتمّ التخلّي عنها مع التقدّم في السنّ، وأنّ خدمة الآخرين يُمكن الاستمرار فيها حتى النّهاية.
