يشير التعليم المسيحيّ بشكل واضح وعميق إلى تفسير سبب صلاة الكنيسة وأبنائها لأجل الراقدين، مستندًا في ذلك إلى الكتاب المقدّس، والتقاليد الرسوليّة، وعمل الشركة الكنسيّة، فيذكر النقاط التالية:
1. الإيمان بـ “شركة القدّيسين” ورابط المحبّة الذي لا ينقطع
الكنيسة المجاهدة: المؤمنون الأحياء على الأرض.
الكنيسة المتألمّة: النفوس الراقدة التي انتقلت في محبّة الله لكنّها بحاجة إلى كمال التطهير من بقايا الخطايا والضعفات.
الكنيسة الممجَّدة: القدّيسون والملائكة في السماء.
بما أنّ جسد المسيح واحد، فإنّ الموت لا يقطع رباط المحبّة بين أعضاء الجسد الواحد. والصلاة لأجل الراقدين هي التعبير الحيّ عن هذا الشركة، (فقرة 958).
2. ممارسة أعمال الرحمة والتضامن الروحيّ
الصلاة من أجل الموتى ليست مجرّد تذكّر عاطفيّ، بل هي عمل محبّة ورحمة حقيقيّ. ومثلما نساعد المحتاجين والمرضى على الأرض بالصلاة والخدمة، كذلك الأمر مع الراقدين.
3. السند الكتابيّ في التعليم الكاثوليكيّ هو ما ورد في سفر المكابيّين الثاني:
”لذلك كفَّر عن الموتى لكي يُحلّوا من الخطية” (2 مكابيّين 12: 46). تعكس هذه الآية الإيمان اليهوديّ-المسيحيّ القديم بأنّ صلاة الأحياء وتقدماتهم لها قوّة شفاعيّة نافعة لمن انتقلوا. وقد حافظت الكنيسة الأولى على هذا التقليد بلا انقطاع، في كلّ احتفال إفخارسيّ.
خلاصة:
يختصر التعليم المسيحيّ الكاثوليكيّ هذا الأمر بالقول إنّ “الصلاة لأجل الموتى فكرٌ مقدّس وتقيّ”، لأنّها تعبير عن الرجاء المسيحيّ بالقيامة، وإقرار بأنّ الحياة لا تنتهي بالموت، وأنّ محبّة الله أقوى من الموت، وأنّ شركة المحبّة في جسد المسيح تبقى أبديّة.
ها نحن مجتعمون اليوم في هذه الكنيسة لنرفع قلوبنا لأجل راحة نفوس آبائنا وإخوتنا الراقدين فنقول:
يا ربّ الرحمة، وإله الأحياء والأموات يا من بيدِك سلطان الحياة والموت، وبحنانك خلقت الإنسان من التراب ونفخت فيه نسمة حياة.
نتوسّل إليك يا إلهنا الصالح، يا محبّ البشر، أن تذْكر في ملكوت السماوات، وفي أحضان آبائنا القدّيسين: إبراهيم وإسحاق ويعقوب، نفوس عبيدك الراقدين، كلّ من انتقلوا من هذا العالم الفاني واستقرّوا بين يديك، نقِّ قلوبهم من كلّ زلّةٍ بشريّة أو خطيئة فعلوها بمعرفة أو بغير معرفة، فليس إنسان بلا خطيئة ولو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض، وحدك أنت قدّوسٌ وبارٌّ بلا خطيئة.
أعطِ راحةً لنفوسهم في أورشليم السماويّة، موضع النور والفرَح والتهليل، حيث لا يوجد حزن ولا اكتئاب.
احسبهم مع صفوف قدّيسيك، ومصافّ ملائكتك الأطهار، وكلّ الذين أرضوك منذ البدء.
نسألك يا ربّنا، أن تعزّي قلوب الحزانى، وأن تثبّتنا جميعًا في الإيمان بك إلى النفس الأخير، لنستحقّ أن نلتقي بهم، مسبّحين وممجّدين اسمك القدّوس.
أيّها الحافظ بيِعَتك وكنيستك إلى الأبد، ومالك الكون إله كلّ رأفة وكلّ عزاء
يا من وطأْت الموت وكسرت شوكته، وقبرت سلطان الجحيم بنورك الإلهيّ على الصليب المحيي، بك وحدك نعبر من الظلمة إلى النور ومن الموت إلى الحياة.
نذُكر أمامك يا ربّ، أحبّاءنا وأصدقاءنا وأقرباءنا ومَن ليس لهم أحد يذكرهم.
أنت الراعي الصالح الذي يعرف خرافه وخرافه تعرفه. وإن نسيِت الأمّ رضيعها فأنت لا تنسى أحدًا ولا تشاء موت الإنسان بل أن يحيا.احفظهم وإيّانا في ديار النور، واجعل لهم ذكرًا صالحًا في أحضان آبائنا القدّيسين: إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
أيّها المسيح إلهنا، يا من بقيامتك المحيية وطأت الموت، وكسرت شوكة الجحيم، وأقمت الإنسان على رجاء القيامة؛ يا من بدمك الثمين اشتريت رعيّتك وجعلتهم أبناءً للنور.
نقف اليوم أمام رحمتك الإلهيّة، لا باستحقاقنا، بل واثقين برأفتك التي لا تحصى، لنرفع قلوبنا معًا لأجل نفوس آبائنا وإخوتنا وأمّهاتنا وأخواتنا، وكلّ الراقدين على رجائك، الذين سبقونا لتُسكِنهم في ديار الأبديّة.
* نسترحمك يا ربّ، أن تفتح أبواب ملكوت السماوات أمام نفوس عبيدك الراقدين.
* اغفر لهم، يا من وحدك بلا خطيئة، كلَّ زلّة أو خطيئة ارتكبوها بمعرفة أو بغير معرفة، بضعف الجسد وفخاخ هذا العالم الزائل.
* أعطهم يا ربّ راحةً في ميناء خلاصك الهادئ، حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهُّد، بل حياة أبديّة.
* احسبهم في مصافّ الأبرار والصدّيقين، وأوصلهم إلى أحضان آبائنا القدّيسين: إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
نسألك أيضًا أن تذكر أنفس عبيدك الذين رقدوا، وانتقلوا منّا إليك، آبائِنا القدّيسين رؤساء الأساقفة، والأساقفة، والقمامصة، والقسوس، وإخوتِنا الشمامسة، وآبائِنا الرهبان، وآبائِنا العلمانيّين والمسيحيّين كلّهم الراقدين على رجاء القيامة، فإنًه ليس موت لعبيدك بل هو انتقال.
هب لهم خيرات مواعيدك، ما لم تره عين، ولم تسمع به أذُن، ولم يخطر على قلب بشر، ما أعددته يا الله لمحبّي اسمك القدّوس، ليستحقّوا ملكوت السماوات،
أمّا نحن كلّنا فهب لنا كمالًا مسيحيًّا يرضيك كلّ حين. هبنا نحن الباقين في هذا الجهاد الزمنيّ أن نُعدّ أنفسنا لتلك الساعة، مستعدّين بمصابيح الخمس عذراى الحكيمات منوّرة بالإيمان والعمل الصالح، وأعطهم وإيّانا نصيبًا وميراثًا مع قدّيسيك، لكي متى دَعوتنا، نلتقي بك بفرحٍ، مع الراقدين على رجائك، لنسبّحك تسبيحًا لا ينقطع، مع ملائكتك ورؤساء ملائكتك، قائلين: “قُدّوس، قُدّوس، قُدّوس، ربّ الصباؤوت، السماء والأرض مملوءتان من مجدك الأقدس”.
إلى الأبد، آمين.
