بقلم روبير شعيب

الفاتيكان، الأربعاء 6 مايو 2009 (Zenit.org). – هل يعبد المسيحيون صور القديسين؟ ألا يخالفون الوصية القائلة: "لا تصنع لك تمثالا منحوتا، ولا صورة ما مما في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن، لأني أنا الرب الهك اله غيور، أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي، وأصنع احسانا الي ألوف من محبي وحافظي وصاياي"؟ ألا يثيرون غيرة وغضب الله بتقواهم؟

هذه الأسئلة وغيرها الكثير تراود فكر من يرى تكريم المسيحيين للأيقونات وصور وتماثيل ومنحوتات القديسين. للجواب على بعض هذه الأسئلة، وبالشكل الموجز الذي يسمح به الإطار الصحفي، نبدأ بالإقرار بأن تكريم بعض المسيحيين للأيقونات، وللصور التقوية هو زائد وخاطئ وهو أقرب إلى الخرافة منه إلى الإيمان القويم. ولكن كما هو معروف سوء الاستعمال ليس ذريعة لعدم الاستعمال. وسوء التكريم ليس دافعًا قويمًا لعدم التكريم! السبيل السديد لفهم التكريم التقوي التقليدي هو التبحر في فهم كنهه وفي رؤية ركائزه.

التكريم والعبادة

إن التمييز الأول الذي تقدمه الكنيسة في إطار التقوى المعاشة هو بين التكريم والعبادة. وقد تحدث الأب الأقدس بندكتس السادس عشر اليوم في تعليم الأربعاء الذي تركز حول شخصية وتعاليم القديس يوحنا الدمشقي عن هذا التمييز فقال: " لقد كان يوحنا الدمشقي أيضًا من أول من ميز، في تقوى المسيحيين العامة والخاصة، بين العبادة (latreia) والتكريم (proskynesis): الأولى هي مرتبطة بالله وحده، الروحاني بالكلية، أما الثانية فتستطيع أن تستعين بصورة لكي تتوجه نحو من تمثله الأيقونة. بالطبع، لا يمكن بأي شكل المزج بين القديس والمادة التي صنعت منها الأيقونة".

وشرح البابا أن أهمية هذا التمييز البالغة تظهر للإجابة بشكل مسيحي على الذين يعتبرون أن الرفض القاسي لاستعمال الصور الطقسي في العهد القديم هو ذو طابع شامل.

وعليه فإن الإيمان المسيحي القويم يقول بأن العبادة هي خاصة بالله وحده الكلي القداسة واللامنظور. أما نحو القديسين – بما في ذلك المثلثة القداسة مريم العذراء – فالموقف الأرثوذكسي هو التكريم. والأمر نفسه ينطبق على الصور والتماثيل.

وقد وعى القديسون المدافعون عن الأيقونات هذا الأمر، ويورد السنكسار خبر أحدهم، عندما كان يستجوبه الأمبراطور المعادي للأيقونات عن المبرر لتكريم الأيقونات. حيث رمى القديس عملة معدنية تحمل رسم الأمبراطور على الأرض وبدأ يدوسها، ولدى تذمر الأمبراطور أمام هذا التصرف، قال القديس: كما يغضبك إهانة رسم ليس هو شخصك ولكنه يمثلك، كذلك يُغضب الله من يهين صور أصفيائه.

وقد يتساءل البعض: ما هو الموقف الذي يجب أن نأخذه أمام صور المسيح؟ هل نعبد صور المسيح أم نكرمها؟

هذا السؤال الفرضي يساعدنا على إيضاح المسألة بشكل أفضل: عندما نكرم الأيقونات أو الصور نحن لا نكرم اللوحة الزيتية، أو الخشب الذي قطع من الغابة في تاريخ معين وتمت صياغته كأيقونة، بل نكرم الأقنوم، نكرم الشخص الذي هو ما وراء المادة. والمادة هي وسيلة فعالة تذكرنا بالأقنوم وبحضوره، ولكنها لا تحل مكانه. الأيقونة أو الصورة هي وسيلة للنعمة ولكنها ليست النعمة بحد ذاتها.

بهذا المعنى شرح البابا أن تقليد الكنيسة الجامعة، "يعتبر أن العناصر المادية المأخوذة من الطبيعة تستطيع أن تضحي وسيلة للنعمة بفضل استدعاء (epiclesis) الروح القدس، المرفق باعتراف الإيمان القويم".

من هنا يوضح المجمع النيقوي الثاني أننا في تكريمنا لأيقونات المسيح لا نكرم ناسوته بمعزل عن لاهوته، ولا لاهوته بمعزل عن ناسوته، بل نكرم أقنوم المسيح الواحد الذي يجمع ويوحد بين طبيعتيه البشرية والإلهية.

 ولكن لماذا يصر المسيحيون على تكريم الأيقونات، بدل أن يتمسكوا بالموقف الذي أخذه اليهود بالرفض القاطع لتصوير الله والأولياء، وتبعهم في ذلك المسلمون؟

لهذا السؤال جوابان هامان: الأول تربوي، والثاني، وهو الأهم لأنه يشكل ركيزة الأول، لاهوتي

 

كتاب لمن لا يجيد القراءة

يقول القديس غريغوريوس الكبير أن "الصور المقدسة هي بمثابة كتاب لمن لا يجيد القراءة"، فكما أن الكتاب المقدس غني بالصور والأفكار والعبر لمن يريد أن يتعرف إلى الله، كذلك الأيقونات، والتصاوير المقدسة، تحمل رسالة الكتاب المقدس وتاريخ الخلاص ومفاعيل النعمة لمن لا يجيد القراءة. وحتى من يجيد القراءة، يستطيع من خلال تأمل الأيقونات والصور المقدسة أن يذكر أحداث تاريخ الخلاص أو حضور الرب والقديسين، وفي هذا الأمر فائدة جزيلة.

ولكن هذه الفائدة لما كانت ممكنة لو لم يتم الحدث التاريخي الذي جعل من المادة عنصرًا أسراريًا يمر فيه الخلاص، ولو لم يكن الله قد صار جسدًا وأشع وجهه اللامنظور في وجه الإنسان يسوع المسيح.

لا أعبد المادة بل خالقها

في هذا الصدد استشهد البابا بتعليم ملفان الكنيسة، القديس يوحنا الدمشقي: "في الأزمنة السابقة، لم يكن يتم تمثيل الله بصور، لأنه غير جسداني ودون وجه. ولكن بما أننا رأينا الله الآن في الجسد وبما أنه عاش بين البشر، فأنا أصور ما هو مرئي من الله".

يوضح الدمشقي أنه بتكريم الأيقونات "أنا لا أكرم المادة، بل خالق المادة، الذي أضحى مادة لأجلي وشاء أن يسكن في المادة وأن يعمل خلاصي من خلال المادة".

"لن أتوقف أبدًا ع ن تكريم المادة التي نلت من خلالها الخلاص. ولكني لا أكرمها أبدًا تكريمي لله! كيف يمكن لما نال الوجود من العدم أن يكون الله؟... ولكني أكرم وأحترم أيضًا سائر المادة التي أسهمت في جلب الخلاص، لأنها مليئة بالمفاعيل وبالنعم المقدسة".

ويتساءل الدمشقي: " أليس خشب الصليب مثلث الطوبى؟... والمداد وكتاب الأناجيل الكلي القداسة أليس مادة؟ والمذبح الخلاصي الذي يوزع علينا خبز الحياة، أليس ماديًا؟... وقبل كل ذلك، أليس جسد ودم الرب مادة؟"

ويستنتج: "إما أن تريد أن تخمد الطابع القدسي لجميع هذه الأمور، أو أن تسمح لتقليد الكنيسة أن يكرم صور الله وأوليائه التي تقدست باسم الذين تحملهم، وهي مليئة لهذا بنعمة الروح القدس. لا تهن المادة إذًا: فهي ليست دنيئة، لأن الله لم يخلق شيئًا دنيئًا".

ويتابع بندكتس السادس عشر معلقًا على كلمات اللاهوتي الشرقي: "نرى أنه بفضل التجسد، تظهر المادة مؤلهة، وكأنها مسكن الله. نحن بصدد رؤية جديدة للعالم وللواقع المادي. لقد صار الله جسدًا والجسد صار فعلاً مسكن الله الذي يشع نوره على وجه المسيح البشري".

هذا وإن تكريم الأيقونات يدخل في إطار ما يعرف باسم "تفاؤل التأمل الطبيعي" (physikè theoria)، أي رؤية الخير والجمال والحق في الخليقة المرئية.