الأباتي أبو عبدو يحتفل بقداس على نِيَّة ضحايا الزلزال في إيطاليا بحضور السفير الإيطالي

“اللقاءُ أَرَدْناهُ زهرةَ تضامُنٍ روحيٍّ وإنسانيٍّ، يُقدِّمُها الشَّعْبُ اللبنانيُّ إلى الشَّعْبِ الإيطاليِّ لأَنَّ الإنسانَ أخو الإنسانِ”

Print Friendly, PDF & Email
Share this Entry

زوق مصبح – لبنان، الأحد 10 مايو 2009 (Zenit.org). – ننشر في ما يلي كلمة الأباتي سمعان أبو عبدو الرئيس العام للرهبانية المارونية المريمية في القدّاس على نِيَّة ضحايا الزلزال الذي حَدَت في إيطاليا (نيسان 2009) في دير سيّدة اللويزة- الجمعة 8 أيار-مايو 2009 بحضور  السفير الايطالي في لبنان كابريال كيكيا ومعه أركان السفارة والسفير البابوي لويجي غاتي وممثل عن البطاركة الكاثوليك في لبنان  وممثل عن رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء وعدد غفير من الناس والجالية الايطالية ومن الجيش الايطالي الموجود في الجنوب اللبناني.

* * *

 

         نجتَمِعُ اليومَ في ديرِ سيِّدةِ اللويزة لِنُقيمَ الذبيحةَ الإلهيَّةَ لراحةِ أَنفُسِ ضحايا الزِّلزالِ الذي هَزَّ ايطاليا في نيسانَ الماضي في محافظةِ أكويلا صباحَ الاثنين 6 نيسان 2009، وها قَدْ جِئْنا نُصَلّي لأجْلِ الذينَ تشرَّدوا وأصبحوا منْ دونِ منازِلَ، ولأجْلِ الذينَ جُرِحوا وَفَقَدوا أهلاً وأولاداً وأحباباً.

 لقاؤنا هذا هو تعبيرٌ عَفْوِيٌّ مُحِبُّ، ورمزيٌّ بسيطٌ عن تَضامُنِنا مَعَ الشَّعْبِ الإيطاليِّ الصّديقِ، وَمَعَ الدولةِ الإيطاليَّةِ الكريمةِ المتمثِّلَةِ هُنا بصاحِبِ السَّعادةِ السَّفيرِ غبريال كيكيا وبأركانِ السَّفارةِ الإيطاليَّةِ المحترمين.

         نحنُ هُنا لِنُصَلِّي لأَجْلِ الضحايا الثلاثِمايَةِ الذين سَقطوا في لحظَةٍ رهيبَةٍ من الزَّمنِ. هي صلاةٌ من القلبِ نَرْفَعُها مستمِدّينَ القوَّةَ والرّجاءَ من الذي انتصَرَ بموتِهِ على الموتِ. نَعَمْ، نحنُ نُصلّي بالرجاءِ النّابِعِ من إيمانِنا بقيامَةِ المسيح التي تُعطينا الحياةَ الأبديَّةَ. إنَّهُ رجاءُ القديسِ بُولُسَ يومَ توجَّهَ في رسالته إلى أَهْلِ روما الإيطاليَّة قائلاً: “فلمّا بُرِّرْنا بالإيمانِ، حَصَلْنا على السلامِ مَعَ اللهِ بربِّنا يسوعَ المسيحِ،… والرّجاءُ لا يُخيِّبُ صاحِبَهُ، لأَنَّ محبَّةَ اللهِ أُفيضَتْ في قلوبِنا بالروحِ القُدُسِ الذي وُهِبَ لنا” (روما 5/1-5).

  بهذا الرّجاءِ إِيَّاه، يَثْبُتُ موقِفُنا الروحيُّ والإنسانيُّ على الرَّغْمِ من كُلِّ تساؤلاتِنا: لماذا حَدَثَ ذلك؟ وأَيْن هي إرادَةُ اللهِ في ما حَدَثَ؟

أمّا الجوابُ المؤكَّدُ بالإيمانِ والرجاءِ فهو: ما عندَ اللهِ ليسَ عندَ الإنسانِ. ونحنُ نثقُ بمحبَّةِ الله ورحمتِه وحنانِهِ. وفي هذهِ اللحظاتِ الأليمةِ تساعِدُنا كلمةُ الله على التمسُّكِ بالايمانِ وتؤكدُ لنا أنَّ لا شيء يستطيعُ التغلُّبَ على قوةِ المحبّة.

وعليهِ، فإِنَّ لقاءَنا اليومَ هو عربونُ محبَّةٍ وتَقديرٍ من رُهبانيَّتِنا المارونيَّةِ المريميَّةِ للشَّعْبِ الإيطاليِّ الذي تربِطُنا به روابِطُ شَتّى، ولنا بينَ أبنائِهِ أَحِبَّةُ وأَصدقاءُ وإِخْوَةٌ. كيفَ لا، والرُّهبانيَّةُ متواجِدَةٌ على الأراضي الإيطاليَّة منذُ العامِ 1707، أيْ منذُ ثلاثةِ قرونٍ وأكثرَ، وهو تاريخٌ مليءٌ بالذِّكرياتِ وَمُزيَّنٌ بالمحطّاتِ الطيِّبَةِ التي لن نَنْساها إطلاقاً.

         هذا اللقاءُ أَرَدْناهُ زهرةَ تضامُنٍ روحيٍّ وإنسانيٍّ، يُقدِّمُها الشَّعْبُ اللبنانيُّ إلى الشَّعْبِ الإيطاليِّ لأَنَّ الإنسانَ أخو الإنسانِ، وكِلاهُما يحتاجُ الآخَرَ، خصوصاً في الشدائِدِ والصِّعابِ.

         هذا اللقاءُ أردناهُ، عربونَ وفاءٍ من رُهبانيَّتِنا خصوصاً، ومن شَعْبِ لبنانَ عموماً، إلى كُلِّ الشَّعْبِ الإيطاليِّ من رجالِ دولةٍ ومسؤولينَ، من رؤساءَ وَحُكّامٍ مدنيّينَ وعسكريّينَ إلى رجالِ الصحافةِ والأطِبّاءِ، وصولاً إلى كلِّ فردٍ من أفرادِ الشّعْبِ الإيطاليِّ. وهل ننسى أو نَغْفَلُ ما قدَّمَتْهُ إيطاليا ولا تزالُ لِلبنانَ من دَعْمٍ معنويٍّ وماديٍّ، ومن حضورٍ إنسانيٍّ ووطنيٍّ فاعِلٍ؟!

   في هذا اللقاءِ، نُعَبِّرُ عن شُكرِنا لدولةِ إيطاليا وشعبِها، يا سَعادَةَ السَّفيرِ، ونحنُ مُمْتنّون لكم ونقدِّرُ خدْماتِكُم الكثيرةَ والكبيرةَ لأجْلِ لُبنان، أمسِ واليومَ وفي كُلِّ حينٍ، وما فعلتُمْ لأجلِ لُبنانِنا يومَ عَصَفَتْ به المِحَنُ والحروبُ، فجئتُمْ مَعَ سواكُم من الدولِ الصديقةِ للوقوفِ إلى جانبِنا، غيرَ موفّرينَ وسيلةً من وسائلِ الدّعمِ والمساعَدَةِ والانقاذِ.

إنّ العلاقةَ بين لبنانَ وإيطاليا متجذِّرةٌ في التاريخِ على الصعيدِ الرهبانيِ والكنسي والوطنيِّ.

– ففي العام 1607، عَقَدَ الأميرُ فخرُ الدّين المعنيُّ الثاني الكبير معاهَدَةَ صداقةٍ وتحالُفٍ مع أميرِ توسكانا فرديناندو الأوَّل وذلك لتوطيدِ العلاقةِ التاريخيَّةِ والمميَّزةِ بين الرجُلَيْنِ والشعبيْنِ والكيانَيْنِ.

وعندما اضْطُّرَّ الأميرُ اللبنانيُّ إلى مغادرةِ لبنانَ في العامِ 1612، توجَّهَ إلى إيطاليا حيث أقام علاقة صداقة مع مدينتي صقلية ومِسّينا. ولدى  عودتِهِ إلى بِلادِهِ، حَمَلَ معه كُلَّ ما تأثَّرَ به من مظاهِرَ نهوضيَّةٍ فنيَّاً وعِلْميّاً وزراعيّاً وصناعيّاً.

– وفي العام 1707 وطِىءَ رُهبانُنا الأرضَ الإيطاليَّةَ، وها نحنُ هناك منذُ أكثَرَ من ثلاثمايةِ سنةٍ نتعلَّمُ ونصلّي ونخدِمُ ونقيمُ علاقاتِ صداقةٍ مع الدولةِ الإيطاليَّةِ والشعبِ الإيطاليّ، ولا ننسى أفضالِ الإيطاليّين علينا ومساعدتَهم إِيّانا ووقوفَهم إلى جانبِنا في مِحَنِنا وصِعابِ
نا.

  ولا بُدَّ أيضاً من الإشارةِ إلى مدى الانصهارِ بينَنا نحنُ الرهبانَ المريميّينَ وبين الإيطاليّين في العاداتِ والتقاليدِ وفي التاريخِ وفي الجغرافيا، كيف لا ولنا على الأرضِ الإيطاليَّةِ أكثرُ من مركزٍ وقد شَهِدَت ما شَهِدَتْ من محطّاتٍ وذِكرياتٍ ومواقِفَ.

– شَهِدَ العامُ 1854 تأسيسَ المدرسةِ المارونيَّةِ في روما، في عهدِ البابا غريغوريوسَ الثالِثَ عَشَرَ والبطريركِ المارونيِّ سركيس الرّزي. هذهِ المدرسةُ التي شَكَّلَتْ انطلاقةً فكريَّةً فذَّةً وتياراً حضاريّاً مميّزاً في لبنانَ والشرقِ، تبقى في صميمِ تراثِنا المارونيِّ. ولقد أشاعَ خرّيجوها في لبنانَ وفي الغربِ، مُناخاً علميّاً وفكريّاً وروحيّاً واسِعاً ومُتمايزاً. ومن خلالِها اكتشَفَ الموارِنَةُ طابَعَهُم الشموليَّ حضارةً وفكراً وروحانيَّةً.

–  وبعدُ، كيف ننسى زيارةَ البابا يوحَنّا بولُسَ الثّاني الذي شَرَّفَ لبنانَ بقدومِهِ إليهِ، مُعيداً إلى قلوبِنا الأمَلَ والرّجاءَ، بعدَ حَرْبٍ أليمَةٍ عَصَفَتْ بنا. وكانَ في زيارتِهِ وَبَعْدَها، الشخصيَّةَ المحبَّبَةَ إلى قلبِ كُلِّ لبنانيٍّ، خصوصاً وأنَّه كانَ منفتِحاً على الجميعِ وقد حَمَلَ مَعَهُ خلاصةَ سينودسَ الأساقِفَةِ الخاصِّ بِلبنانَ الذي أُقيمَ في حاضرةِ الفاتيكان، لِيُسَلِّمُها في العاشِرِ من أيارَ عام 1997 إلى شَعْبِ لبنانَ تحت عنوان: “رجاءٌ جديدٌ للبنانَ”.

وبالتّالي، ومِنْ مُنطَلَقٍ وطنيٍّ صِرْفٍ، نُعَبِّرُ عن تقديرِنا لوقوفِ الإيطاليينَ، دولةً وشعباً، مسؤولينَ وجيشاً، إلى جانبِ لبنانَ لمساعدتِهِ وحمايتِهِ من مخاطِرَ كادَتْ تقضي على كيانِهِ. واليومَ، لا بُدَّ من تقديمِ الشُّكْرِ وأداءِ التحيَّةِ للدَّوْلَةِ الإيطاليَّةِ المتواجِدَةِ على أرضِ لبنانَ، من خِلالِ جَيْشِها المُنضوي تحتَ لواءِ اليونيفِل بقيادَةِ القائِدِ العامّ الجنرال كلاوديو غراتسيانو في مَهَمَّةٍ ساميةٍ لحفظِ السَّلامِ وتوطيدِ الأَمْنِ في جَنوبِنا الحبيبِ أرضِ المقاومَةِ والشهادَةِ والدِّماءِ الزكيَّة.

  فَسلامٌ مِنّا إلى كُلِّ جُنديٍّ هناكَ نحمِّلُكُم إياه أنتمُ الجنودَ الحاضرينَ بيننا اليومَ.

         اليومَ، وبكثيرٍ من الإيمانِ والرجاءِ والوفاءِ والعِرْفانِ نُريدُ أَنْ نرفَعَ الصلاةَ وإياكم يا سَعادَةَ السَّفيرِ لأَجْلِ ضحايا  الزلزال. وإِنّنا، وبِحُبٍّ كبيرٍ، نقِفُ إلى جانِبِ أَهْلِ الضحايا وِقفَةً إنسانيَّةً روحيَّةً، وِقفَةَ مشارِكةٍ نابعةٍ من القلبِ، ونتمنّى أن يَعْرِفَ الشّعْبُ الإيطاليُّ الصّديقُ أنّنا، هُنا في لبنانَ، نحبُّهُ ونتضامَنُ مَعَهُ في المُصابِ الأليمِ، ونحنُ إخوةٌ للإيطاليّينَ نُقاسِمُهُم همومَهم، نفكِّرُ بِهم، وَلأَجْلِهِمْ نُصلّي.

         اليومَ، باسمِنا وباسمِ كُلِّ لبنانيٍّ، نُعَزّيكم يا سعادَةَ السَّفيرِ ونُعَزّي أهْلَ الضحايا وأقرباءَهم، ونرفَعُ صلاتَنا إلى اللهِ لِيَرْحَمَ من قَضَوا في الزلزالِ وأن يَسكُبَ بَلسَمَ عزائِه في قلوبِ الجرحى ومن فقدوا أحِباءَهم، وَلَعَلَّ السَّماءَ تعوِّضُهم غَضَبَ الأرضِ وَقَسْوَةَ التّراب.

 هذا هو رجاؤنا، نطلبُه بقوَّةٍ وإيمانٍ من ربِّ السَّماءِ، بشفاعَةِ أُمِّنا مريَمَ العذراءِ التي تسيرُ مَعَنا وتقودُنا إلى ابنِها سيِّد الحياةِ والتاريخِ، أَلفِ البدايةِ وياء النهايةِ، مُرَدِّدين معاً :

بارَكَ اللهُ إيطاليا وَشَعْبَها وَرَحِمَ ضحايا زلزالِها.

باركَ الله لبنانَنا وشعبَهُ ونجّاهُ من التّشرذمِ.

باركَ اللهُ شعوبَ الأرضِ وَمَنَحها نعمةَ السلام. آمين.

Print Friendly, PDF & Email
Share this Entry

ZENIT Staff

فريق القسم العربي في وكالة زينيت العالمية يعمل في مناطق مختلفة من العالم لكي يوصل لكم صوت الكنيسة ووقع صدى الإنجيل الحي.

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير