"القديس بندكتس يدعو كل إنسان يصعد إلى هذا الجبل إلى البحث عن السلام"

كاسينو، الأربعاء 27 مايو 2009 (Zenit.org) – ننشر في ما يلي الكلمة التي وجهها بندكتس السادس عشر في 24 مايو الجاري بعد الاحتفال بصلاة الغروب مع الجماعة البندكتية في دير مونتي كاسينو.

***

إخوتي وأخواتي الأعزاء في العائلة البندكتية العظيمة!

في ختام زيارتي اليوم، يسرني بخاصة التوقف في هذا المكان المقدس، في هذا الدير الذي دمر وأعيد بناؤه أربع مرات، وكانت المرة الأخيرة منذ 65 عاماً، أي بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية. “Succiso virescit” (في الهزيمة نتقوى): كلمات شعاره الجديد تمثل تاريخه على نحو جيد. إن مونتي كاسينو، شأنها شأن شجرة السنديان التي زرعها القديس بندكتس، شذبها عنف الحرب إلا أنها نهضت بعدها بقوة أكبر. لقد حظيت أكثر من مرة بفرصة الاستمتاع بحسن ضيافة الرهبان، وأمضيت في هذا الدير ساعات لا تنسى من السكون والصلاة. وهذا المساء، دخلنا نرنم معاً “Laudes Regiae” للاحتفال بصلاة الغروب بعيد صعود يسوع. أعبر لكل منكم عن فرحي بالمشاركة في فترة الصلاة هذه. كما أوجه لكم جميعاً تحياتي القلبية، وأشكركم على الترحيب الذي خصصتموه لي وللأشخاص الذين يرافقونني في رحلة الحج الرسولية.

أحيي بخاصة رئيس الدير دوم فيتتوريللي بيتر الذي تحدث عن مشاعركم المشتركة. وأشمل بالتحية رؤساء ورئيسات الأديرة والجماعات البندكتية الحاضرة هنا. تدعونا ليتورجية اليوم إلى التأمل في سر صعود الرب. وفي القراءة الموجزة المأخوذة من رسالة بطرس الأولى، نحن مدعوون إلى التأمل بفادينا الذي مات "مرة واحدة لكي يحل مشكلة الخطايا" لكيما يقربنا إلى الله الذي يجلس فادينا عن يمينه بعدما انطلق إلى السماء وبعدما جعلت الملائكة والسلطات والقوات الروحية خاضعة له (1 بط 3: 18، 22). على الرغم من أن يسوع صعد إلى السماوات وأصبح غير منظور في أعين التلاميذ إلا أنه لم يتخل عنهم وإنما "مات بجسمه البشري، ثم عاد حياً بالروح" (1 بط 3، 18). هو الآن حاضر بطريقة جديدة في نفوس المؤمنين. وفيه، يقدم الخلاص لكل كائن بشري على اختلاف نسبه ولغته وثقافته. إن رسالة بطرس الأولى تشتمل على إشارات محددة إلى الوقائع المسيحية الأساسية للإيمان المسيحي. وهنا يسعى الرسول إلى تسليط الضوء على شمولية الخلاص في المسيح. وهذه الرغبة نجدها أيضاً لدى القديس بولس الذي نحتفل بذكرى مرور ألفي سنة على ميلاده والذي يكتب لأهل كورنثوس: "وهو (المسيح) قد مات عوضاً عن الجميع حتى لا يعيش الأحياء في ما بعد لأنفسهم بل للذي مات عوضاً عنهم ثم قام" (2 كور 5، 15).

حتى لا يعيشوا في ما بعد لأنفسهم بل للمسيح: هذا ما يعطي المعنى الكامل لحياة الذين يفتحون له قلوبهم. والرحلة الإنسانية والروحية التي قام بها القديس بندكتس تظهر ذلك بوضوح. فهو الذي ترك كل شيء وكرس نفسه لاتباع يسوع بأمانة. وهو الذي أصبح مؤسس حركة النهضة الروحية والثقافية الواسعة في الغرب من خلال تجسيده واقع الإنجيل في حياته. والآن أود الإشارة إلى حدث استثنائي في حياته يرويه كاتب السيرة القديس غريغوريوس، وتعرفونه أنتم جيداً. من الممكن القول بأن البطريرك القديس "رفع إلى السماء" في تجربة خفية لا توصف. ففي ليل 29 أكتوبر سنة 540 – حسب السيرة – وفيما كان ينظر من النافذة "بأعين شاخصة إلى النجوم التي جمعها بنفسه في تأمل إلهي، شعر القديس أن قلبه ملتهب... وبدت له السماء كالحجاب المزخرف الذي كشف قدس الأقداس. وأحس لوهلة بأن روحه تنتقل إلى الجانب الآخر من الحجاب لتتأمل وجه الذي يسكن في نور لا يمكن بلوغه" (أ. شوستر، تاريخ القديس بندكتس وزمنه، طبعة دير فيبولدوني، ميلانو، 1965، من ص. 11). بالتأكيد، وعلى غرار ما حدث مع بولس بعد انخطافه السماوي، رأى القديس بندكتس بعد تجربته الروحية الاستثنائية أنه لا بد من بدء حياة جديدة. وفي حين أن الرؤية كانت عابرة إلا أن النتائج كانت دائمة، فقد تغير طبعه – وفقاً لكتاب السير – وبات مظهره هادئاً وسلوكه ملائكياً، وفهم حتى خلال حياته على الأرض أنه كان يعيش في قلبه في السماوات.

لقد نال القديس بندكتس هذه الهبة من الله ليس لإرضاء فضوله الفكري وإنما لأن الهبة التي منحه إياها الله كانت قادرة على إعادة حياة السماء إلى الدير وإعادة تناغم الخلق من خلال التأمل والعمل. لذلك، تكرمه الكنيسة كـ "معلم بارز في الحياة الرهبانية" و"علامة صاحب حكمة روحية في محبة الصلاة والعمل؛ ومرشد الشعوب المتألق في نور الإنجيل" الذي "من خلال ارتفاعه إلى السماوات على درب نيرة" يرشد البشر من كل الأعمار إلى البحث عن الله والخيرات الأبدية التي أعدها (مقدمة القديس في الدير، كتاب القداس الروماني، 1980، 153).

حقاً أن بندكتس كان مثالاً نيراً للقداسة ومرشد الكهنة إلى المسيح مثالهم الأسمى والأوحد. كان معلم اللطف الذي اقترح رؤية متوازنة وملائمة لمطالب الله وأهداف الإنسان، كذلك أخذ بالاعتبار احتياجات القلب ومبرراته في سبيل تعليم وإلهام أخوة حقيقية وثابتة لكي تبقى وحدة الروح القادرة على بناء السلام والحفاظ عليه، في العلاقات الاجتماعية المعقدة. وليس من قبيل المصادفة أن تكون كلمة "سلام" هي الكلمة المرحبة بالحجاج والزوار عند أبواب الدير الذي أعيد تشييده بعد الكارثة الهائلة التي سببتها الحرب العالمية الثانية والذي يقوم كذكرى صامتة لنبذ كافة أشكال العنف في سبيل بناء السلام في العائلات وضمن الجماعات وبين الشعوب والبشرية جمعاء. إن القديس بندكتس يدعو كل إنسان يصعد إلى هذا ا لجبل إلى البحث عن السلام واتباعه: “inquire pacem et sequere eam” ]ابحث عن السلام واتبعه[ (مزمور 33: 14، 15) (قاعدة، مقدمة، 17).

من خلال قدوته، أصبحت الأديرة على مر القرون مراكز حوار متقد ولقاء واتحاد مفيد بين مختلف الشعوب التي توحدت بثقافة السلام الواردة في الإنجيل. لقد عرف الرهبان كيفية تعليم فن السلام بالقول والفعل، مستخدمين بشكل ملموس "الروابط" الثلاثة التي يعتبرها بندكتس ضرورية للحفاظ على وحدة الروح بين البشر، وهي: الصليب، شريعة المسيح؛ الكتاب أي الثقافة؛ والمحراث الذي يشير إلى العمل، السيادة في كل الأزمنة. بفضل نشاط الأديرة المرتبط بالالتزامات اليومية الثلاثة المتمثلة بالصلاة والدراسة والعمل، عاشت جميع شعوب أوروبا تجربة فداء حقيقي وتنمية أخلاقية وروحية وثقافية مفيدة، إلى جانب العمل بروح الاستمرارية مع الماضي من أجل الخير العام، والانفتاح على الله والبعد السامي. نصلي من أجل أن تستغل أوروبا دوماً هذه الثروة من المبادئ والمثل المسيحية التي تشكل ثروة ثقافية وروحية ضخمة.

هذا ممكن فقط في حال تم اعتماد التعليم الدائم للقديس بندكتس أي “quaerere Deum”، البحث عن الله، كالالتزام الأساسي للإنسان. والبشر لا يستطيعون تحقيق أنفسهم بالكامل أو الشعور بالسعادة الحقيقية من دون الله. إخوتي الرهبان، تقضي مهمتكم بأن تكونوا أمثلة حية عن هذه العلاقة الروحية والعميقة معه، مستخدمين دون تهاون البرنامج الذي لخصه مؤسسكم في “nihil amori Christi praeponere” "لا تفضلوا شيئاً على محبة المسيح" (قاعدة 4، 21). هنا تكمن القداسة، الاقتراح الملزم لكل مسيحي أكثر من أي وقت مضى، والذي تتجلى فيه الحاجة إلى إرساء الحياة والتاريخ على مبادئ روحية ثابتة. لذلك، إخوتي وأخواتي الأعزاء إن دعوتكم مناسبة أكثر من أي وقت مضى، ورسالتكم أساسية كرهبان.

من هذا المكان الذي ترقد فيه رفاته الفانية، يستمر شفيع أوروبا في دعوة الجميع إلى متابعة عمله القائم على التبشير بالإنجيل والتنمية البشرية. أشجعكم أولاً، أيها الإخوة الأعزاء، على البقاء أمناء لروح جذوركم، ومترجمين حقيقيين لبرنامج النهضة الاجتماعية والروحية. ليمنحكم الرب هذه الهبة بشفاعة مؤسسكم القديس، والأخت القديسة إسكولاستيكا، والقديسين في رهبانيتكم. ولتحرسكم أم الله السماوية التي نبتهل إليها اليوم "كمعونة للنصارى" ولتحفظ هذا الدير وكل أديرتكم، والجماعة الأبرشية التي تعيش في محيط مونتي كاسينو. آمين!