أحد تجديد البيعة

Print Friendly, PDF & Email
Share this Entry

بقلم الخوري رولان معربس

القبيات، الجمعة 6 نوفمبر 2009 (Zenit.org). – نقدم نصي رسالة وإنجيل قداس الأحد بحسب الطقس الأنطاكي السرياني الماروني مع تعليق مقتبس من “نشرة الأحد” – موقع القبيات الإلكتروني.

* * *

مدخل

 

في أحد تجديد البيعة، تدعونا الكنيسة في نصّين من الرسالة إلى العبرانيين ومن إنجيل يوحنّا، إلى تجديد نفوسنا لنستقبل المسيح في حياتنا خاصّةً أنّنا على مشارف زمن الميلاد، زمن التأمّل بعظمة التجسّد الإلهيّ.كاتب الرسالة إلى العبرانيين يدعونا إلى “عبادة الله الحيّ” القائمة على الإيمان الواثق بمفاعيل تجسّد وموت وقيامة المسيح، التي وحدها بمقدورها تحقيق التجديد الدائم لروح الإيمان في قلوبنا وفي حياتنا. أمّا إنجيل يوحنّا فيدعونا، بلسان يسوع المسيح ربّنا إلى الإصغاء إلى صوت المسيح وهو أقواله وهو ما يشكّل الشرط الدائم لأيّ تجدّد أو تجديد في الكنيسة وعبرها!ففي هذا الأحد، تدعوكما الكنيسة، أخي وأختي لتدخلا في مسيرة التجديد التي افتتحها الربّ في الخلق ولن تنتهي حتى القيامة النهائيّة، فهل ستدخلان “قطارها” أم تبقيا خارجاً؟!

 

صلاة

 

نَشكُرُكَ أيّها الآب السماوي، على سخائك في الخلق، المستمرّ في كلّ يوم تتجدّد فيه الحياة وتستمرّ. نشكرك أيضاً لأنّك أرسلت ابنك يسوع المسيح ليجدّد فينا “صورة الله ومثاله”، من خلال تجسّده وموته وقيامته. كما نشكرك من أجل عطيّة الروح القدس الّذي “يجدّد وجه الأرض” عبر نفحة الإيمان والرجاء والمحبّة في قلوبنا وحياتنا.

أَهِّلْنا، في عشيّة الميلاد، لِنَبقى أمناء لدعوتنا إلى “الميراث الأبديّ”، فيتجدّد فينا ومن خلالنا، الكون وما فيه، فيصبح كلّ شيءٍ ترنيمة مجدٍ وتسبيح لاسمك ولاسم ابنك وروحك القدّوس، إلى الابد، آمين.

الرسالة

 

أَمَّا الـمَسِيحُ فَقَدْ ظَهَرَ عَظِيمَ أَحْبَارِ الـخَيْرَاتِ الآتِيَة، واجْتَازَ الـمَسْكِنَ الأَعْظَمَ والأَكْمَل، غَيرَ الـمَصْنُوعِ بِالأَيْدِي، أَيْ لَيْسَ مِن هـذِهِ الـخَليقَة،فَدَخَلَ إِلى قُدْسِ الأَقْدَاسِ مَرَّةً واحِدَة، لا بِدَمِ الـتُّيُوسِ والعُجُول، بَلْ بِدَمِهِ هُوَ، فَحَقَّقَ لنَا فِدَاءً أَبَدِيًّا.فإِذا كانَ رَشُّ دَمِ الـتُّيُوسِ والثِّيْرَانِ ورَمَادِ العِجْلَةِ على الـمُنَجَّسِين، يُقَدِّسُ أَجْسَادَهُم فَيُطَهِّرُهُم،فَكَم بِالأَحْرَى دَمُ الْمَسِيح، الَّذي قَرَّبَ نَفْسَهُ للهِ بِالرُّوحِ الأَزَلِيِّ قُرْبَانًا لا عَيْبَ فِيه، يُطَهِّرُ ضَمِيرَنَا منَ الأَعْمَالِ الـمَيْتَة، لِنَعْبُدَ اللهَ الـحَيّ!ولِذـلِكَ فَهُوَ الوَسِيطُ لِعَهْدٍ جَدِيد، وقَدْ صَارَ مَوتُهُ فِدَاءً لِتَعَدِّيَاتِ العَهْدِ الأَوَّل، حَتَّى يَنَالَ بِهِ الـمَدْعُوُّونَ وَعْدَ الْمِيْرَاثِ الأَبَدِيّ.

(عب 9/11-15)

تأمّل من وحي الرسالة

في هذا الأحد، أحد تجديد البيعة، نتوقّف أيضاً مع مقطعٍ من الفصل التاسع من الرسالة إلى العبرانيين، يكمّل بفحواه القراءة الواردة في عيد تقديس البيعة.

في ذلك إشارةٌ أولى لنا حيث أن القدّاسة تتطلّب تجدّداً دائماً يشعّ من قلب الإنسان ليغمر فكره وكيانه فيتألّق بالقداسة مع ربّه ومع الناس.

قد يخطر لنا، عند تأمّلنا لهذه الرّسالة، بأن التجديد لم يعد ممكناً لأنّ المسيح “حقّق لنا فداءً أبدياً” ومنحنا “ميراثاً أبدياً“. فهل يعني ذلك بأنّ كلّ شيء “قد تمّ” (يو1930) ولم يعد ممكناً القيام بشيء؟

بالمعنى اللاهوتي، نعم! فلا أحد منّا بمقدوره تحقيق فداءٍ أو خلاصٍ أعظم مما قام به الربّ يسوع بتجسّده وبموته وبقيامته.

ولكن، بالمعنى الرّوحيّ، يبقى على كلّ واحدٍ آمن بما قام به الربّ المخلّص، أن يستفيد من مفاعيل هذا الخلاص في حياته وأن يجدّدها بسعيه الدائم إلى تحقيق مشيئة الله وإرادته في حياته وفي حياة من يعيش معهم أو من اجلهم.

فقد حقّق الربّ يسوع الخلاص من اجلنا جميعاً ولكن بيقى عليكما أخي وأختي المؤمنين أن تسألا ذواتكما:

هل أعي أن كلّ يوم جديد في حياتي هو نعمة من الله وفرصة منه لأتقرّب أكثر إليه فأعي إرادته وأحقّق مشيئته؟هل أسعى فعلاً، في حياتي اليوميّة، لأجدّد علاقاتي مع الناس متسلّحاً بروح الإيمان وقدرة الرّجاء واندفاع المحبّة؟ هل أنتقد الآخرين محرّماً عليهم ما أبيحه لذاتي فأطالبهم بالتجدّد وأبقى أنا على عفني وهرياني الرّوحي والنفسيّ؟

لنسأل الربّ، في هذا الأحد، أن يمنحنا روحه القدّوس ليجدّدنا في بنوّتنا للّه، ونحن في عشيّة زمن الميلاد، فنستحقّ أن نكون أهلاً، وفقاً لكلمات الرسالة، لنوال “الميراث الأبديّ”، آمين.

الإنجيل

وحَانَ عِيدُ التَّجْدِيدِ في أُورَشَلِيم، وكَانَ فَصْلُ الشِّتَاء.وكَانَ يَسُوعُ يَتَمَشَّى في الـهَيْكَل، في رِوَاقِ سُلَيْمَان.فَأَحَاطَ بِهِ اليَهُودُ وأَخَذُوا يَقُولُونَ لَهُ: “إِلى مَتَى تُبْقِي نُفُوسَنَا حَائِرَة؟ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الـمَسِيح، فَقُلْهُ لَنَا صَرَاحَةً”.أَجَابَهُم يَسُوع: “قُلْتُهُ لَكُم، لـكِنَّكُم لا تُؤْمِن
ُون. أَلأَعْمَالُ الَّتِي أَعْمَلُهَا أَنَا بِاسْمِ أَبِي هِيَ تَشْهَدُ لِي.لـكِنَّكُم لا تُؤْمِنُون، لأَنَّكُم لَسْتُم مِنْ خِرَافِي.خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وأَنَا أَعْرِفُهَا، وهِي تَتْبَعُنِي.وأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّة، فَلَنْ تَهْلِكَ أَبَدًا، وَلَنْ يَخْطَفَهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي.أَبِي الَّذي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الكُلّ، ولا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَهَا مِنْ يَدِ الآب.أَنَا والآبُ وَاحِد”.فَأَخَذَ اليَهُودُ، مِنْ جَدِيدٍ، حِجَارَةً لِيَرْجُمُوه.قَالَ لَهُم يَسُوع: “أَعْمَالاً حَسَنَةً كَثِيرَةً أَرَيْتُكُم مِنْ عِنْدِ الآب، فَلأَيِّ عَمَلٍ مِنْهَا تَرْجُمُونِي؟”.أَجَابَهُ اليَهُود: “لا لِعَمَلٍ حَسَنٍ نَرْجُمُكَ، بَلْ لِتَجْدِيف. لأَنَّكَ، وَأَنْتَ إِنْسَان، تَجْعلُ نَفْسَكَ إِلـهًا”.أَجَابَهُم يَسُوع: “أَمَا كُتِبَ في تَوْرَاتِكُم: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُم آلِهَة؟فَإِذَا كَانَتِ التَّوْرَاةُ تَدْعُو آلِهَةً أُولـئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِم كَلِمَةُ الله،  ولا يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الكِتَاب،فَكَيْفَ تَقُولُونَ لِي، أَنَا الَّذي قَدَّسَهُ الآبُ وأَرْسَلَهُ إِلى العَالَم: أَنْتَ تُجَدِّف؛ لأَنِيِّ قُلْتُ: أَنَا ابْنُ الله؟إِنْ كُنْتُ لا أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي، فلا تُصَدِّقُونِي،أَمَّا إِذَا كُنْتُ أَعْمَلُهَا، وإِنْ كُنْتُم لا تُصَدِّقُونِي، فَصَدِّقُوا هـذِهِ الأَعْمَال، لِكَي تَعْرِفُوا وتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنِّي في الآب”.فَحَاوَلُوا مِنْ جَدِيدٍ أَنْ يَقْبِضُوا عَلَيْه، فَأَفْلَتَ مِنْ يَدِهِم.وعَادَ يَسُوعُ إِلى عِبْرِ الأُرْدُنّ، إِلى حَيْثُ كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدْ مِنْ قَبْلُ، فَأَقَامَ هُنَاك.وأَتَى إِلَيْهِ كَثِيرُونَ وكَانُوا يَقُولُون: “لَمْ يَصْنَعْ يُوحَنَّا أَيَّ آيَة، ولـكِنْ، كُلُّ مَا قَالَهُ في هـذَا الرَّجُلِ كَانَ حَقًّا”.فآمَنَ بِهِ هُنَاكَ كَثِيرُون.

(يو 10 22-42)

تأمّل من وحي الإنجيل

أحبائي ، نحتفل اليوم بعيد تجديد البيعة وقد جاءنا هذا العيد من أورشليم مدينة السلام قبل زمن المسيح .

تاريخه قديم منذ أيام سليمان الملك حين انتهى من بناء الهيكل خلال القرن العاشر ق.م. قام بعمل التدشين، وقد كرّسه للمرة الأولى ليكون الموضع الذي فيه تُقدَّم الذبائح ويحرق البخور ويأتي المؤمنون للقاء الرب.

قال الملك: ” هل تسكن يا الله حقاً على الأرض؟ فالسماوات وسماء السماوات لا تسعك فكيف هذا الهيكل الذي بنيته لك؟”(1مل27:8).

وقد تمّ تجديد هذا الهيكل عام 164 ق.م. – بعد أن دنّسه أنطيوخوس الرابع – على يد يهوذا المكابي الّذي ، على أثر ما عُرِفَ بثورة المكابيين، طقوس العبادة والذبائح إليه (لمزيد من المعلومات راجع نشرة أحد تجديد البيعة للعام المنصرم).

ولكن العيد لا يكون للحجر وخشب الأرز، ولا للذهب والفضة بل يكون للإله الذي نأتي إليه بقلب منسحق وخاشع وبصلاة متواضعة وبطلب الغفران. والتجديد ليس بالبناء الحجري بل بالإيمان البشري، بعد أن دعانا بطرس الرسول “حجارة حية في بناء مسكن روحي”(1بط5:2). بمثل هذه الروح تكون كنيستنا حية، ونستطيع أن ننطلق بسنة ليتورجيَّا جديدة .

إن الله في بداية خلقه للعالم اعتاد أن يتمشّى مع آدم في الجنَّة(تك8:3) وكذلك يسوع مع بداية كل سنة يتمشى معنا في مسيرة روحية ويرافقنا، إنه “العمّانوئيل” أي الله معنا. إنّه الراعي الذي يقودنا الى المراعي الخصبة. ونحن كمؤمنين به مدعوون لمرافقته أيضاً، ورفقتنا تكون معه، ومعه فقط، بحيث لا نطلب مجدنا بل مجده ولا نعمل مشيئتنا بل مشيئته.

فعيد التجديد هو أن تعرف حول من تجتمع ومع من؟

في هذا العيد تجمّع اليهود حول يسوع ولكن لماذا؟ الجواب هو لكي يحكموا عليه. أما نحن اليوم، فباجتماعنا حول يسوع – وقد عرفناه – يجب أن نسمع كلامه ونعترف بإيماننا به علناً دون حياء أو خوف ونعلنه ملكاً علينا يقود خطانا ويهدينا مدى الحياة.

أحبائي، في مسيرتنا مع المسيح سنكتشف أموراً كثيرة قد تغيب عن أذهان البعض أو قد يتجاهلها البعض الآخر، أما نحن فعلينا أن نتمسّك بها لأنها جوهر حياتنا المسيحية. فالتجديد يبدأ بسماع صوت المسيح ويتحقق بالإصغاء إليه وينمو باتّباعه. وفي مسيرتنا الجديدة هذه نعود لنتذكر ونعيش كل مراحل حياة يسوع من الولادة الى الموت فالقيامة.

هذا ما يجب عليه أن تكون مسيرتنا في بداية هذه السنة الطقسية، فنستعد من جديد لكي نتعرف إلى يسوع، الشخص الحي والحاضر دائماً في كنيسته، وبين شعبه، بحيث نستطيع ان نعلن للعالم أننا وجدنا المسيح، ونسعى إيصاله لجميع الناس.

إخوتي، أختم كلامي وأقول إنَّ المسيح لايحمل هَمّاً سوى هَمّ خلاصنا ولا يريد سوى سعادتنا ولا يعنيه أيُّ تجديدٍ سوى تجديد قلوبنا وأفكارنا وتنقية ضمائرنا. إن يسوع هو إلهنا ونحن شعبه وغنم مرعاه وهو وحده القادر على إعطائنا الحياة الأبدية لكي لا نهلك أبداً.

يبقى السؤال هل نحن على علم بهذه الحقيقة أم نحن بغيبوبة عنها؟ هل نعي أهمية التجديد الروحي بحياتنا أم نلتهي بتجديد ما هو ثانوي …؟

إن الجواب يأتي من داخلكم فمن كان مستعداً ماذا ينتظر لكي ينطلق في مسيرة التجديد؟

Print Friendly, PDF & Email
Share this Entry

ZENIT Staff

فريق القسم العربي في وكالة زينيت العالمية يعمل في مناطق مختلفة من العالم لكي يوصل لكم صوت الكنيسة ووقع صدى الإنجيل الحي.

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير