من هي هذه الجماعة التي قرّرت أن تصنع ؟ ليس من عادة الثقافة العبريّة إستعمال صيغة الجمع للمفرد من أجل الإحترام . فهذه العادةُ ظهرت في الثقافة الرومانيّة ، وتحديدًا أيّام ديوقليديانُس ( القرن الرابع الميلاديّ ) . سنرى تباعًا ، أنّ خلق الإنسان حصل من خلال " التشاور " ، الجماعةُ التي خلقت هي " جماعة الثالوث " ، في عمل ٍ مشترك : الآب يُنظّم ، الإبن ( الله الكلمة ) يتكلّم ، والروح القدس يحملٌُ برفيفه على المياه الأوّلية أمرَ البزوغ . ويتطلّب هذا العملُ المشترك إقرارًا بـــ" الغيريّة - Altérité " ، وإحترامًا للإختلاف ، وتفاهمًا للوصول إلى مشروع مشترك .

يُظهِرُ ذلك التبايُن بين خلق الكون وخلق الإنسان ، ما آولى الله الإنسانَ من مكانة ٍ مرموقة في قصده الإلهيّ ، ذلك بإنّ للخليقة كلّها وضعًا ، وللإنسان وضعه المميّز ، هو يختلفُ إختلافــًا نوعيّا جوهريّا عن سائر المخلوقات ( إنه على صورة الله كمـــثاله ) .

إذا عُدنا للوراء ، إلى الشرق القديم ، إلى مصر الفرعونيّة ، كان يُعتبر الملك  صورة الله ، إلاّ أنّ الكتاب المقدّس يعتبرُ أنّ الإنسان ، كلّ إنسان ، وكلّ رجل ٍ وأمراة ، لا الملكُ فقط ، هو " صورة الله " ؛ حتى إنّ بعض المفسّرين وصفوا ذلك بــ"  ديموقراطيّة نظرة الكتاب المقدّس " . إنّ إستعمال صيغة الجمع ( لنصنع ) كما رأينا ، غير مألوفة في اللغة العبريّة على خلاف بعض اللغات التي تستعملها للتبجيل والتعظيم ما تجعله اللغة العبريّة .

والتفسيرُ المسيحيّ الثالوثي يقولُ : إنّ أقانيم الثالوث قد تشاوروا في شأن خلق الإنسان ( وقد لاحظ المفسّرون أنّ إسم الله في هذه الرواية بصيغة الجمع " إيلوهيم " وهو جمعُ " إيل " المفرد ) . ومن الراجح أنّ الأساطير كانت تصوّر  مجمع الآلهة ، من هنا صيغة الجمع ، إلاّ أنّ الكاتب المُلهَم احتفظ بتلك الصيغة ، بالرغم من أنّ الإله الوحيد الحقيقيّ هو إله الوحي ، ولكنّه الأوّل بين الآلهة والأعظمُ منهم جميعًا .

في هذا يقولُ القدّيس يوحنّا الدمشقيّ : " تشاوُر الله الأبديّ غير المتبدّل ". ويقول القديس غريغوريوس النيصيّ : " .... أمّا عند خلق الإنسان فقد كان ثمّة "شورى" ، لم يقلْ ، كما قال في المرّات السابقة : ليكن إنسان ! إعرف إذن كرامتكَ ، فلم يكن تكوينكَ بأمر ٍ منهُ ، بل بـــ" التشاور " في كيفيّة إعطائك الحياة ككائن ٍ حيّ مكرّم . والذهبيّ الفم يُعطي أيضا تعاليمه بهذا الشأن ويقول

" قوله : لنصنع ، لا يُشير إلى الرغبة والفكرة وحسب ، بل إلى إعلان مَنْ هو مساو ٍ في الكرامة ، فأيّ من خلائقه أوليَ هذا الشرفُ العظيم ؟! إنه الإنسان ، الكائنُ الحيّ العظيم المدهش ، وأشرفُ جميع خلائق الله " .

يقول المجمع الفاتيكانيّ الثاني : " إنّ سرّ الإنسان لا يتّضح حقا إلاّ في سرّ الكلمة المتجسّد " . ذلك أنّ آدم ، الإنسان الأوّل ، كان صورة الإنسان الآتي ، أي صورة المسيح الربّ ( روم 5 : 14 ) ؛ فالمسيحُ ، وهو آدم الجديد ، في الوحي عينه بسرّ الآب ، يُظهِر الإنسان لنفسه ويكشفُ له سموّ دعوته ( الفرح والرجاء 22 ) . يتبع

البابا فرنسيس يوكل زيارته إلى الأراضي المقدسة إلى عناية مريم العذراء!

قام البابا فرنسيس صباح اليوم الجمعة بزيارة بازيليك مريم الكبرى وصلّى على نية زيارته إلى الأراضي المقدسة لمدة خمس عشرة دقيقة مقدّمًا باقة من الورود إلى الأم العذراء. إنها المرة الثامنة التي يزور فيها البابا البازيليك وكان قد زارها في المرة الأولى في 14 آذار بعد يوم من الانتخابات قائلاً للكاردينال سانتوس أبريل كاستيلو ليل : “أريد أن أذهب لأزور السيدة العذراء غدًا لأوكل إليها حبريّتي”.