بقلم روبير شعيب

روما، الخميس 4 يونيو 2009 (Zenit.org). – بعد أن تحدثنا عن الإيمان والبراهين الباطنة ننتقل الآن إلى الحديث عن النقطة الأخيرة في تحليلنا لإسهام جون هنري نيومان: "الإيمان والمخيلة"

 

ثالثًا: الإيمان والمخيلة (المُصَوِّرَة)

كل إنسان يملك في داخله نوعًا من "قصيدة خفية"، منطقة خيال لا يعرفها أحد، ولا حتى الإنسان بالذات. المخيلة هي منطقة يتلاقى فيها الإيمان الديني (pistis) والفنية الخلاقة (poesis)، والنطاق الذي يحركه البعد الخلاق في الإنسان هو نطاق حساس جدًا يحتاجه الدين ولكن غالبًا ما لا يستطيع التوصل إليه. يقول الأب اليسوعي مايكل بول غالاغر في هذا الصدد: "الإيمان بالذات هو أسلوب يمنحه الله للإنسان لكي يتصور وجوده – ليس حقيقة باردة، لا يسهل إدراكها أو وضعها في مفاهيم عقلية" (Gallagher, M.P., Dive deeper.  The human poetry of faith, London 2001, 6).

بعد مرحلة أولى من التحفظ نحو المخيلة – تحفظ ورثه عن آباء الكنيسة الذين كانوا يعتبرون المخيلة كحاسة الوهم التي تتربص بالفكر وعلى المدى البعد تتغلب عليه (Gallagher, M.P., “Fede e immaginazione nel pensiero di J. H. Newman”, Rassenga di Teologia, 42 (2001),653) – توصل إلى أن يرى في المخيلة (أو المصورة)، مع قوتها المُفَعّلة والخلاقة، حليفًا افتراضيًا هامًا للإيمان. بامكان المخيلة أن تكون مفتاح الدخول إلى الإيمان لأنها تستطيع أن تلعب دورًا كبيرًا في معرفتية (أبيستيمولوجيا) اليقين الفاعلي (Certitude).

يعتبر نيومان المخيلة بطريقة موسعة وبشكل إيجابي في مؤلفه الشهير "Essay on aid of a Grammar of Assent" (مقالة في قواعد القبول [بحقائق الإيمان]) حيث يستعمل كمرادفات كلمات القبول الواقعي (real assent) والقبول الصوري (imaginative assent). ويبين نيومان الرباط القائم بين الخبرة والصور؛ فكلاهما يفتحان الباب – بطريقة تستحيل على التجريد – لأبعاد ملموسة، "شخصانية" و "واقعية". فبالنسبة للقبول الحقيقي (لا النظري فقط)، من الضروري أن تميز المصوّرة الحقيقة، وأن ترتكز عليها وأن تعتنقها.

المخيلة الدينية هي حاسة "الممكن" القادرة على إدراك "الحقيقة بشكل حياتي" لأن حقائق الله "تعيش في المصوّرة". المصوّرة هي حاسة أساسية للوصول إلى القلب ولتحريك خياراته، وهي أخيرًا نبع الالتزام والعمل. المصورة هي في الآن نفسه حاسة "تخليقية وخلاقة، بمعنى أنها قادرة أن تفسر معطيات الخبرة الشخصية وأن تولد الخيارات".

إن تغيرات حالات قلبنا الروحي تتولد انطلاقًا من المصوّرة لا العقل، وبالتالي، بمعزل عن ارتداد المصورة لا يستطيع الشخص التوصل إلى توبة تصرفاتية وأخلاقية حقة. المخيلة هي الجزء الحدسي في كياننا حيث نتوصل إلى إدراك الوقائع بواسطة الحدس (insight).

في المصورة نعيش واقعًا إدراكيًا مغايرًا وبديلاً. ونيومان، الذي يميز بين القبول النظري والقبول الواقعي، يربط هذا الأخير بالمصورة التي ليست حاسة اللاعقلاني أو الوهمي، ولكنها أيضًا "حاسة مكثِّفة وموحدة تجعلنا قادرين أن نقوم بقبول قلبي، و ‘مُحِدّ‘، و ‘واقعي‘ – ‘كما لو كنا نعاين معاينة‘. بكلمات أخرى نضحي مقتنعين" (J. Coulson, Religion and Imagination. “In aid of a grammar of assent”, Oxford 1981, 53).

"في دراما الحياة المظلم نصل إلى حقيقة الإيمان بعون الصور والمصوّرة الضروري" (M.P. Gallagher, “Fede e immaginazione nel pensiero di J. H. Newman”, art. cit., 658)، لأنه دون المخيلة يبقى الروح البشري أعمى في حضور حقيقة الأمور، ولأن الإنسان كائن روائي، وهي الصور ما يغير حياة البشر لا الأفكار.

هناك معرفة روحية تمر عبر الحواس وتجعلنا نتواصل  من جديد مع عواطفنا، والمصورة هي الحاسة التي تعمل من خلالها الحواس الروحية التي يتحدث عنها آباء الكنيسة والمتصوفون.

المصورة أكثر انفتاحًا من العقل الأدائي والانتاجي عندما يتعلق الأمر بالمعرفة الحقة التي ليست أبدًا معرفة نظرية أو مجردة، بل وجودية ودراماتيكية. إنها حركة تستحثنا وتدخلنا في إطارها.

المصورة لها دور "عملي" لأنها تحرك الاستعدادات الداخلية، ومن هذا المنطلق يمكننا أن نقول بأن يسوع إنما جاء إلى الأرض لكي يشفي مصورتنا، لكي ينقي ويصحح صورتنا عن الله. من خلال شفائه لمخيلتنا (مصورتنا)، يكشف لنا يسوع واقع وجودنا الباطن ويقودنا إلى عمقنا الحق (depth). ذلك العمق الذي يسميه تاوليروس، تلميذ المتصوف الريناني مايستر إيكارت – "عمق النفس" وهو ما يؤهلنا للانفتاح لقبول الإيمان؛ وبهذا المعنى تحدثنا أعلاه عن الترادف بين القبول الواقعي والقبول الصوري، لأنه "عندما نعاني من سوء تغذية في صورتنا عن ذاتنا، نضحي غير قادرين على تصور الله" (M.P. Gallagher, Dive deeper.  The human poetry of faith, London 2001, 1) ونجد بالتالي أمرًا صعبًا لا بل مستحيلاً أن نثق به ونتوكل عليه وأن نؤمن به.

ندرك من كل هذا أن عدائية المذهب العقلي نحو الإيمان ليست واقعًا مرتكزًا على ذاته بل هو جرح في المصورة والثقة.