حاضرة الفاتيكان، الخميس 11 يونيو 2009 (Zenit.org) – ننشر في ما يلي الكلمة التي ألقاها البارحة بندكتس السادس عشر خلال المقابلة العامة في ساحة القديس بطرس، وهي إحدى التعاليم حول كتاب الكنيسة العظام في القرون الوسطى.

***

إخوتي وأخواتي الأعزاء،

أود التحدث اليوم عن مفكر بارز من الغرب المسيحي هو جون سكوت إريجينا صاحب الأصول الغامضة. لقد أتى طبعاً من إيرلندا حيث ولد في بداية القرن التاسع ولكننا لا نعلم متى ترك جزيرته ليعبر القناة الإنكليزية ويصبح جزءاً من هذا العالم الثقافي الذي ولد من جديد حول الكارولنجيين وبخاصة حول تشارلز الأصلع في فرنسا في القرن التاسع. كما أننا لا نعلم تاريخ ميلاده ولا تاريخ وفاته التي يعتقد الخبراء أنها حصلت حوالي سنة 870.

لقد كان حون سكوت إريجينا يتمتع بثقافة آبائية يونانية ولاتينية فقد عرف مباشرة كتابات الآباء اللاتين واليونانيين. ومن بين كافة الأعمال الأخرى، عرف جيداً أعمال أغسطينوس وأمبروسيوس وغريغوريوس العظيم، الآباء العظام في الغرب المسيحي، ولكنه عرف أيضاً فكر أوريجانوس وغريغوريوس النيسي ويوحنا فم الذهب وغيرهم من الآباء العظام في الشرق. لقد كان رجلاً استثنائياً سيطر في تلك الحقبة على اليونانية. فقد أظهر اهتماماً خاصاً بالقديس مكسيموس المعترف وبديونيسيوس الأريوباجي. وتحت هذا الاسم المستعار، يستتر كاتب كنسي من القرن الخامس من سوريا، ولكن جون سكوت إريجينا كان مقتنعاً على غرار الجميع في القرون الوسطى بأن هذا الكاتب كان تلميذ القديس بولس الذي يجري الحديث عنه في أعمال الرسل (17، 34).

ونظراً إلى أن سكوت إريجينا كان مقتنعاً برسولية كتابات ديونيسيوس، فقد صنفه "كاتباً إلهياً" بامتياز، لذلك كانت كتاباته مصدراً بارزاً لفكره. وقد ترجم جون سكوت أعماله إلى اللاتينية متيحاً للاهوتيي العصور الوسطى العظام كالقديس بونافنتورا فرصة الإطلاع على أعمال ديونيسيوس. لقد كان ملتزماً طوال حياته بالتعمق في فكره وتطويره مستعيناً بهذه الكتابات لدرجة أننا لا نزال حتى الآن نجد صعوبة في التمييز بين فكر سكوت إريجينا وفكر ديونيسيوس.

وفي الحقيقة أن عمل جون سكوت اللاهوتي لم يلاق النجاح الكبير. فقد أدى انتهاء حقبة الكارولنجيين إلى نسيان أعماله وألقى نقد من السلطة الكنسية بظلاله على شخصيته. في الواقع، يمثل جون سكوت أفلاطونية جذرية تبدو أحياناً وكأنها تميل إلى مقاربة الرؤية القائلة بوحدة الوجود حتى ولو أن نواياه الشخصية لطالما كانت تقليدية. وما تزال بعض أعمال جون سكوت إريجينا موجودة حتى الآن ومن بينها البحوث "حول انقسام الطبيعة" و"الشروحات حول السلطة السماوية للقديس ديونيسيوس".

في هذه الأعمال، ينمي تأملات لاهوتية وروحية محفزة تحدث تطورات هامة حتى لدى اللاهوتيين المعاصرين. وهنا أذكر على سبيل المثال ما يكتبه عن واجب القيام بتمييز مناسب لـ “auctoritatis vera” أو عن الالتزام باستكمال السعي وراء الحقيقة طالما لم يتم التوصل إلى تجربة السجود الصامت لله.

يقول كاتبنا: "Salus nostra ex fide inchoat: يبدأ خلاصنا بالإيمان" أي أنه لا يمكننا التحدث عن الله انطلاقاً من كلامنا المبتكر وإنما مما يقوله الله عن نفسه في الكتاب المقدس. ونظراً إلى أن الله وحده الذي يقول الحقيقة، فإن سكوت إريجينا مقتنع بأنه يجب ألا تتناقض السلطة مع العقل. كما أنه مقتنع بتوافق الديانة الحقيقية مع الفلسفة الحقيقية.

من هنا، يكتب: "يعتبر ضعيفاً أي نوع من السلطة غير المثبتة بالعقل الفعلي... وحدها السلطة التي تتوافق مع الحقيقة المكتشفة بمقتضى العقل هي السلطة الفعلية حتى ولو أنها سلطة أوصى بها الآباء القديسين ونقلوها من أجل خير الأجيال المستقبلية" (I, PL 122, col 513BC). ويحذر قائلاً: "لا تدعوا أي سلطة تخيفكم أو تصرف انتباهكم عما تفهمون من الآراء المكتسبة بفضل تأمل عقلاني مستقيم. وفي الواقع أن السلطة الحقيقية لا تتعارض مع العقل السليم، وهذا الأخير لا يتعارض أبداً مع السلطة الحقيقية. فكلاهما ينشأ من دون شك من المصدر عينه أي من الحكمة الإلهية" (I, PL 122, col 511B). ونرى هنا تأكيداً جريئاً على قيمة العقل المبنية على الثقة بأن السلطة الحقيقية عقلانية نظراً إلى أن الله عقل مبدع.

حتى الكتابات المقدسة ليس معفية من الحاجة إلى تطبيق معيار التمييز عينه، وفقاً لإريجينا. ففي الواقع أن الكاتب الإيرلندي يؤكد في استكمال تأمل بدأه يوحنا فم الذهب على أن الكتابات المقدسة لما كانت ضرورية لو لم يرتكب الإنسان الخطايا. لذلك لا بد من الاستنتاج بأن الكتابات المقدسة منحها الله بقصد تربوي وتواضع ليذكر الإنسان كل ما طبع في قلبه منذ لحظة خلقه "على صورة الله ومثاله" (تك 1، 26) وكل ما أنسته إياه الخطيئة الأصلية.

ويكتب إريجينا في "الشروحات": "لم يُخلق الإنسان للكتابات التي لم يكن بحاجة إليها لو لم يرتكب الخطيئة، لا بل أن الكتابات – بتمازجها مع العقيدة والرموز – أعطيت للإنسان. وبفضلها، تمهد طبيعتنا العقلانية طريقها إلى أسرار التأمل الحقيقي التام في الله(II, PL 122, col 146C) . فإن كلمات الكتابات المقدسة تنقي عقلنا المظلم وتساعدنا على تذكر ما نحمله نحن المولودون على صورة الله في قلوبنا التي انتهكتها الخطيئة مع الأسف.

من هنا، تنشأ بعض التبعات التفسيرية حول طريقة تفسير الكتابات، التي ما تزال تشير إلى الطريق القويم لقراءة صحيحة للكتابات المقدسة. إنها مسألة اكتشاف المعنى المستتر في النص المقدس مما يفترض تمرينا نفسياً خاص اً يساعد العقل على الطريق المؤدية إلى الحقيقة. ويقوم هذا التمرين على تنمية استعداد دائم للاهتداء. وفي سبيل التوصل بعمق إلى رؤية النص، من الضروري التقدم في الوقت عينه في اهتداء القلب وفي تحليل الصفحة البيبلية أكانت ذات طابع كوني، تاريخي أو عقائدي. والفهم الدقيق يحصل فقط بفضل التطهير الدائم لأعين القلب والعقل.

هذه الدرب الشاقة المتطلبة والمثيرة، المؤلفة من اكتساب المعرفة البشرية، ترشد الإنسان الذكي نحو عتبة السر الإلهي حيث تثبت كافة المعارف ضعفها وعجزها وتؤدي إلى الذهاب إلى ما هو أبعد من كل ما تم التوصل إليه – وذلك بقوة الحقيقة البسيطة والحرة والعذبة. لذلك يظهر التعرف الصامت والموقر إلى السر، والذي يصب في توحيد المشاركة، السبيل الأوحد لعلاقة مع الحقيقة الأكثر ألفة والأكثر احتراماً للآخرين. هنا، ومن خلال استخدامه مصطلحاً يقدره التقليد المسيحي في اللغة اليوناينية، دعا جون سكوت هذه التجربة التي نصبو إليها “theosis” أو تأليهاً، مع التأكيد الجريء على ذلك لدرجة أنه تم الاشتباه بوقوعه في وحدة الوجود الهرطقية.

على أي حال، تسبب نصوص مماثلة للتالي انفعالاً قوياً، النصوص التي يتم اللجوء فيها إلى الاستعارة القديمة عن الحديد المنصهر، ويكتب: "لذلك، وفيما يصبح كل الحديد المتوهج سائلاً ويبدو مجرد نار، وعلى الرغم من أن مواد كل منهما تبقى مختلفة، لا بد من القبول بأن الطبيعة الجسدية وغير الجسدية ستظهر الله فقط بعد نهاية العالم وعلى الرغم من ذلك ستبقى كاملة بحيث يتم فهم الله على الرغم من بقائه غير مفهوم، وتتحول الخليقة نفسها إلى الله من خلال أعجوبة لا توصف" (V, PL 122, col 451B).

وفي الواقع أن كل فكر جون سكوت اللاهوتي يظهر محاولة التعبير عما يمكن تفسيره عن الأمور التي يتعذر تفسيرها عن الله مستنداً فقط على سر الكلمة الذي صار جسداً في يسوع الناصري. وتشير الاستعارات العديدة التي يستخدمها للإشارة إلى هذه الحقيقة التي لا توصف إلى درجة إدراكه العجز المطلق للكلمات التي نتحدث بها عن هذه الأمور. ومع ذلك، يبقى في نصوصه هذا السحر وهذا المناخ من التجربة السرية الحقيقية التي نكاد نلمسها.

دليلاً على ذلك، يكفي ذكر صفحة من الكتاب "حول انقسام الطبيعة" الذي يؤثر في نفوسنا كمؤمنين في القرن الحادي والعشرين، ويكتب: "الأمر الوحيد الذي لا بد من الرغبة فيه هو فرح الحقيقة المتمثل في المسيح. والأمر الوحيد الذي لا بد من تجنبه هو غيابه. ولا بد من اعتبار أن هذا الغياب هو السبب الأوحد للحزن التام والأبدي. إن أخذتم مني المسيح، لا يبقى لي خير سواه. لا شيء يخيفني بقدر غيابه عني. وأسوأ مصدر عذاب للإنسان العقلاني هو حرمانه منه وغيابه عنه (V, PL 122, col 989a).

يجب أن تكون هذه الكلمات كلماتنا فنحولها إلى صلاة له هو توق قلوبنا.

إخوتي وأخواتي الأعزاء،

إننا نتأمل اليوم بشخصية جون سكوت إريجينا، المفكر المسيحي المؤثر الذي عاش في الحقبة الكارولينجية. إريجينا الذي اهتم باللاهوت الآبائي الشرقي بخاصة بلاهوت ديونيسيوس، عمل على دراسة أعمال هذا الأخير بشكل كامل وعلى ترجمتها إلى اللاتينية. ووفقاً لإريجينا، يجب على المؤمن أن يبحث عن الحقيقة حتى يتوصل إلى السجود الصامت لله الذي نشترك في طبيعته من خلال “theosis” أو "التأليه". وبما أنه لا يمكن التعبير عن هذه التجربة كاملة بالكلمات، فإن لاهوته يعتمد أسلوب الإنكار – أي من خلال التأكيد أولاً على ما هو خارج عن حقيقة الله. كذلك يعتبر أن هذا التفكير ضروري في البحث البشري عن الله. وفي الواقع أن الكتابات المقدسة تسمح للإنسان بتذكر الحقيقة التي طبعت روحه في بداية الزمان إلا أنه تم نسيانها من خلال الخطيئة الأصلية. من خلال قراءة الكتاب المقدس، نستطيع أن نكشف أسرار تأمل نقي وحقيقي بالله. لذلك دعونا نواصل درب الاهتداء الدائم في سبيل استخراج كنوز كلمة الله في صلواتنا وتأملاتنا اليومية.

أوجه تحية قلبية إلى جميع الزوار الناطقين بالإنكليزية الحاضرين معنا اليوم. وأرحب بخاصة بالإكليريكيين من الولايات المتحدة الذين يشاركون في برنامج اختبار روما، وبالحجاج من أبرشية كراتشي في الباكستان. فليبارككم الله جميعاً!

حقوق الطبع محفوظة لمكتبة النشر الفاتيكانية 2009