الفاتيكان، الجمعة 26 مارس 2010 (Zenit.org). - الكلمة الرابعة للمسيح على الصليب، كلمة اثارت الكثير من الشكوك والتحليل. فالمسيح يفاجئنا بكلمة غير متوقعة، كلمة موجهة هذه المرة للآب. لا يقولها بصوت خفي بل يصرخ: "الهي الهي لماذا تركتني؟" (مر 15: 34 ومت 27: 46).

فهناك من يقول انها انسانيّة المسيح التي تصرخ لله. وأخرين يقولون انه يتكلم بأسم البشرية. وقد ذكرتُ في موضعِ اخر[1]: انها صرخة من يتألم مدركا  في نفس الوقت ان الله لن يتركه.

 هذه الصرخة تبدأ المزمور (21) 22. الذي يقول: انا ادعوك ولا اجدك يا رب. مع انك انت اله ابائي. هم قالوا لي انك دائماً استجبت لهم، دائماً انقذتهم في مِحَنهم. لكن انا!! انا عارٌ عند البشر، اقتسموا ثيابي، وعاملوني كدودة. لكن انت؛ انت الهي. منذ ولادتي لا اعرف غيرك. اني محاط  بالموت لكني اعلم انك ستنقذني. ويقول: من فم الاسد قد خلصتني، من قرون الثور انقذتني. فالمرنم يشعر بالخلاص في نفس لحظة الضيق. فيصرخ مجددا  ويقول: لقد أجبتني. لذا سأبشر أخوتي بأسمك، وسأسبحك.  فجميع أقاصي الارض يجب ان تعرف حبك  ورحمتك.

هذا المزمور هو خبرة شخص يتألم فعلياً ولكنه يثق في الله؛ يختبر خلاصه. لذا يسبح  ويبشر بأسم الرب. فالمزمور يعلن شيئا اساسيا: ان الرب أمين، ان الرب لا يترك من يدعوه، من يثق فيه. مرنم المزمور يرى الموت ولكن يثق في القيامة لانه بدأ في تذوقها. فلا يلعن  ولا يفقد الرجاء بل يبشر بأسم الرب. فالمزمور اذاً هو اعلان لعظمة الرب.

المسيح يرد بهذا المزمور على من كان يقول له: "خلص نفسك ان كنت ابن الله، فأنزل من على الصليب" (متى 27: 40). مثلما رد على ابليس عندما كان يجربه في الصحراء قائلاً له: "إن كنت ابن الله ارم بنفسك إلى الاسفل" (مت 4: 6). والمسيح يرد عليه "لا تجرب الرب الهك". هنا ايضاً من كانوا تحت الصليب جربوه بعمقٍ اكبر قائلين: خلص نفسك. وايضاً اللص يقول له: خلص نفسك وخلصنا. تلك هي التجربة العظمى، والتي هي اكبر من أي تجربة؛ اكبر من الالم، اكبر من الوحدة، تجربة أن يخلص الانسان نفسه بنفسه. أن يأخذ الانسان مكان الله في حياته ويتولى هو قيادة شراعه كي يخرج  سفينته من اهوال الامواج.

 أمام هذه التجربة يرد المسيح ويصرخ بهذا المزمور. يعلن ثقته التامة بالرب. المسيح يرفض ان يخلص ذاته، بل يترك نفسه لله، كي يخلصه هو في الوقت المناسب، وهكذا لا يسقط في التجربة.

وبهذا لا يظهر المسيح لنا فقط قوته في تحمل التجارب بل شيئا اعمق بكثير، يظهر لنا ان الرب أمين. انه لا يترك من اتكل عليه، ان الرب هو آب. نعم آب، وما أجمل ان يكون للانسان آب!!

 المسيح لا يصمت بعد هذا بل يقول شيئا اخر، غريب وعميق، شىء له علاقة ايضاً بنا... للمرة القادمة.

زمن صوم مبارك.


[1]  سلسلة مقالات الهي الهي لماذا تركتني؟ للآب هاني باخوم، تم نشرها في وكالة زينيت.