كاستل غاندولفو، إيطاليا 30 سبتمبر 2008 (Zenit.org). – ننشر في ما يلي الكلمة التي ألقاها بندكتس السادس عشر قبيل تلاوة صلاة التبشير الملائكي مع الجموع التي احتشدت في فناء المقر الصيفي للبابا في كاستل غاندولفو نهار الأحد 28 سبتمبر 2008.

***

إخوتي وأخواتي الأعزاء!

تقترح علينا الليتورجيا اليوم المثل الوارد في الإنجيل عن الابنين اللذين أرسلهما أبوهما للعمل في كرمه. يوافق الأول فوراً على الذهاب، لكنه لا يذهب بعد ذلك، والآخر يرفض أولاً من ثم يندم ويعمل بحسب مشيئة أبيه.

في هذا المثل، يشدد يسوع على ميله للخطأة الذين يهتدون، ويعلمنا أن التواضع أساسي للترحيب بموهبة الخلاص. كما أن القديس بولس يدعو إلى التواضع في المقطع من الرسالة إلى فيليبي الذي نتأمل فيه اليوم. ويكتب: "لا يكن بينكم شيء بروح التحزب والافتخار الباطل، بل بالتواضع ليعتبر كل واحد منكم غيره أفضل كثيراً من نفسه" (في 2: 3). هذه هي أحاسيس المسيح الذي ترك جانباً المجد الإلهي من أجل محبتنا، وصار إنساناً وأمعن في الاتضاع حتى الموت على الصليب (في 2: 5 – 8). والفعل اليوناني الذي يستعمل هنا يعني بحرفية أنه "أخلى نفسه"، ويسلط الضوء على التواضع العميق والمحبة اللامتناهية ليسوع، العبد المتواضع بامتياز.

في التأمل في هذه النصوص الإنجيلية، فكرت فوراً بالبابا يوحنا بولس الأول، الذي تصادف اليوم الذكرى الثلاثين لوفاته. لقد اختار شعار شارل بوروميو كشعاره الأسقفي الخاص به وهو: "التواضع"، كلمة واحدة تلخص ما هو جوهري في الحياة المسيحية، وتشير إلى الفضيلة الأساسية لأولئك المدعوين إلى خدمة السلطة في الكنيسة.

وفي إحدى مقابلاته العامة الأربعة خلال حبريته الوجيزة، قال من بين أمور أخرى وبنبرة متميزة: "أوصيكم فقط بفضيلة واحدة عزيزة على الرب". وقال: "تعلموا مني، أنا الوديع والمتواضع القلب... حتى ولو قمتم بأعمال عظيمة، قولوا: "نحن خدام عديمو الجدوى". وبدلاً من ذلك، فإننا نميل جميعاً إلى القيام بعكس ذلك، إلى التفاخر" (المقابلة العامة في 6 سبتمبر 1978). ومن الممكن الاعتبار بأن التواضع هو وصيته الروحية.

وبفضل هذه الميزة، فقد كانت الأيام الثلاثون كافية للبابا لوتشاني لكسب محبة الناس له. ففي كلماته، كان يستخدم أمثلة من الحياة الواقعية، من ذكرياته عن الحياة العائلية، ومن الحكمة الشعبية. لقد كانت بساطته أداة تعليم حكيم وغني لدرجة أنه كان يزينه بالعديد من المراجع لكتاب كنسيين وعلمانيين، بفضل موهبة ذاكرته الممتازة.

ولقد كان بالتالي معلم دين لا مثيل له، على خطى بيوس الخامس، ابن بلده وسلفه في أبرشية القديس مرقس، وبعدها في أبرشية القديس بطرس. وقال في المقابلة العامة عينها: "يجب علينا أن نخجل أمام الله"، مضيفاً "أنا لا أخجل من الشعور كطفل أمام أمه؛ فكل يؤمن بأمه، وأنا أؤمن بالرب، وبما أوحاه لي".

إن هذه الكلمات تظهر عمق إيمانه. وفيما نشكر الله لأنه أنعم به على الكنيسة والعالم، دعونا نكتنز مثله، ملتزمين بتشجيع تواضعه، الذي جعله قادراً على التحدث مع الجميع، وبخاصة مع الصغار والباردين. من أجل هذه النوايا، نبتهل إلى القديسة مريم العذراء، أمة الرب المتواضعة.

* * *

نقلته من الإنكليزية إلى العربية غرة معيط – وكالة زينيت العالمية (Zenit.org)

حقوق الطبع محفوظة لمكتبة النشر الفاتيكانية – 2008.