رسالة بندكتس السادس عشر إلى كاثوليك إيرلندا (2)

Print Friendly, PDF & Email
Share this Entry

“كفروا عن ذنوب الاعتداء التي سببت الكثير من الأذى”

حاضرة الفاتيكان، الثلاثاء 23 مارس 2010 (Zenit.org) – ننشر في ما يلي القسم الثاني من الرسالة الرعوية التي وجهها بندكتس السادس عشر لكاثوليك إيرلندا، ونشرها الكرسي الرسولي نهار السبت الفائت.

7. إلى الكهنة والرهبان الذين اعتدوا على أطفال

أنتم خنتم الثقة التي وضعها فيكم شباب أبرياء وأهاليهم، ويجب أن تتحملوا مسؤولية ذلك أمام الله الكلي القدرة وأمام محاكم شكلت حسب الأصول. لقد خسرتم تقدير الشعب الإيرلندي وألحقتم الخزي والعار بإخوتكم. إن الكهنة بينكم انتهكوا قداسة سر الكهنوت الذي يصبح المسيح من خلاله حاضراً فينا وفي أعمالنا. وإلى جانب الأذى الكبير الذي ألحق بالضحايا، ألحق ضرر كبير بالكنيسة وبالفكرة العامة عن الكهنوت والحياة الرهبانية.

أحثكم على فحص ضمائركم، وتحمل مسؤولية الآثام التي ارتكبتموها، والتعبير عن أسفكم بتواضع. فالتوبة الصادقة تفتح المجال أمام مغفرة الله ونعمة التحسين الفعلي. من خلال تقديم الصلوات والقيام بالأعمال التكفيرية من أجل الخاطئين، يجب أن تسعوا إلى التكفير عن أعمالكم. إن تضحية المسيح المخلصة قادرة على مغفرة أعظم الذنوب، وغرف الخير من أفظع الشرور. في الوقت عينه، تدعونا العدالة الإلهية إلى الكشف عن أفعالنا وعدم إخفاء شيء. اعترفوا بذنبكم، واخضعوا لمطالب العدالة، ولا تقنطوا من الرحمة الإلهية.

8. إلى الأهل

أصبتم بصدمة كبيرة عند علمكم بالأحداث الرهيبة التي حصلت في المكان الذي كان ينبغي أن يكون أكثر البيئات أماناً. وفي العالم المعاصر، ليس سهلاً بناء بيت وتربية الأطفال. هم يستحقون أن يكبروا في أجواء آمنة وينعموا بالحب والعناية بإدراك هويتهم وأهميتهم. يحق لهم أن ينشأوا على القيم الأخلاقية الأصيلة المتجذرة في كرامة الإنسان، وأن يستلهموا من حقيقة إيماننا المسيحي ويتعلموا أساليب التصرف التي تؤدي إلى تقدير ذاتي سليم وفرح دائم. هذه المهمة النبيلة وإنما المتطلبة توكل إليكم أولاً أنتم الأهل. أحثكم على تأدية دوركم في ضمان أفضل عناية للأطفال، في البيت وفي المجتمع، فيما تستمر الكنيسة من جهتها بتنفيذ التدابير المتخذة خلال السنوات الأخيرة لحماية الشباب في البيئات الرعوية والمدرسية. وفيما تتحملون مسؤولياتكم الأساسية، كونوا واثقين بأنني أبقى قريباً منكم وأقدم لكم الدعم بصلواتي.

9. إلى أطفال إيرلندا وشبابها

أود أن أوجه لكم كلمة تشجيعية خاصة. إن تجربتكم في الكنيسة مختلفة عن تجربة أهلكم وأجدادكم. فقد شهد العالم تغييراً كبيراً منذ أن كانوا بعمركم. لكن كل الناس مدعوون في كل جيل إلى انتهاج درب الحياة عينها، أياً كانت ظروفهم. نحن جميعاً جُرحنا بفعل ذنوب وزلات بعض الأعضاء في الكنيسة، منهم بخاصة أولئك الذين اختيروا تحديداً لإرشاد الشباب وخدمتهم. لكنكم في الكنيسة تجدون يسوع المسيح الذي “هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد” (عب 13، 8). وهو يحبكم وقد بذل نفسه على الصليب من أجلكم. اسعوا إلى بناء علاقة معه ضمن شركة كنيسته لأنه لن يخون أبداً ثقتكم! وحده هو القادر على تحقيق رغباتكم العميقة، وإعطاء معنى كاملاً لحياتكم من خلال إرشادها نحو خدمة الآخرين. أبقوا أعينكم شاخصة إلى يسوع وصلاحه، واحموا شعلة الإيمان في قلوبكم. مع إخوتكم الكاثوليك في إيرلندا، أتوجه إليكم لتكونوا تلاميذ أمناء لربنا، ولتسهموا بحماستكم ومثاليتكم في إعادة بناء كنيستنا الحبيبة وتجديدها.

10. إلى كهنة إيرلندا ورهبانها

كلنا نتألم نتيجة لذنوب إخوتنا الذين خالفوا تعليمات مقدسة أو فشلوا في مواجهة الاتهامات بطريقة صحيحة ومسؤولة. أمام الإهانة والسخط اللذين سببهما هذا الأمر، ليس فقط بين المؤمنين العلمانيين وإنما أيضاً بينكم وفي جماعاتكم الدينية، كثيرون منكم يشعرون بأنهم يائسون ومتروكون. كما أنني أدرك أن البعض ينظر إليكم كمذنبين وكمسؤولين نوعاً ما عن آثام الآخرين. في هذا الوقت الأليم، أود الاعتراف بتفاني حياتكم الكهنوتية والرهبانية ورسالتكم، وأدعوكم إلى إعادة التأكيد على إيمانكم بالمسيح، ومحبتكم لكنيسته، وثقتكم بوعد الفداء والمغفرة والتجدد الروحي المذكور في الإنجيل. هكذا، ستظهرون للجميع أنه “حيث كثرت الخطيئة، تتوافر النعمة أكثر” (رو 5، 20).

أعلم أن كثيرين بينكم خائبون وحائرون وغاضبون من الطريقة التي اعتمدها بعض رؤسائكم لمعالجة هذه القضايا. مع ذلك، من الضروري أن تتعاونوا مع أصحاب السلطة وتساعدوا في أن تكون التدابير المتخذة للاستجابة للأزمة إنجيلية وصحيحة وفعالة. وأحثكم بخاصة على التحول بصورة أوضح إلى رجال ونساء صلاة من خلال اتباع درب الاهتداء والتطهر والمصالحة. هكذا تستقي الكنيسة في إيرلندا حياة وحيوية جديدتين من شهادتكم لقدرة الرب المخلصة الظاهرة في حياتكم.

11. إلى إخوتي الأساقفة

لا يمكننا أن ننكر أن بعضاً منكم ومن أسلافكم فشل – فشلاً ذريعاً أحياناً – في تطبيق معايير القانون الكنسي التي وضعت قبل وقت طويل حول جرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال. لقد ارتكبت أخطاء جسيمة في الاستجابة للاتهامات. أعلم أنه كان من الصعب استيعاب حجم المشكلة وتعقيداتها، والحصول على معلومات موثوقة واتخاذ القرارات المناسبة على ضوء نصائح الخبراء المتناقضة. مع ذلك، لا بد من الاعتراف بأن أخطاء جسيمة حصلت في الحكم إضافة إلى الفشل في القيادة. هذا كله قوض مصداقيتكم وفعاليتكم. إنني أقدر كافة الجهود التي قمتم بها لتصحي
ح الأخطاء الماضية ولضمان عدم حصولها مجدداً. وإضافة إلى تطبيق القانون الكنسي في القضايا المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، استمروا في التعاون مع السلطات المدنية في مجال اختصاصها. وينبغي على الرؤساء الدينيين أن يتصرفوا أيضاً بالطريقة عينها. لقد شاركوا هم أيضاً في المناقشات الأخيرة هنا في روما بهدف تحديد مقاربة واضحة ومتماسكة لهذه المسائل. لا بد من مراجعة المعايير الخاصة بالكنيسة في إيرلندا والمتعلقة بأمن الأطفال بصورة دائمة، ولا بد من عصرنتها لكي تطبق بالكامل وبتجرد طبقاً للقانون الكنسي.

وحده التحرك الحاسم الجاري بصدق وشفافية هو الذي سيعيد احترام الشعب الإيرلندي ونيته الحسنة تجاه الكنيسة التي كرسنا حياتنا من أجلها. هذا يبدأ أولاً بفحص ضمائركم، والتطهر الداخلي والتجدد الروحي. إن الشعب الإيرلندي يتوقع منكم أن تكونوا رجال الله، أن تكونوا مقدسين، وتعيشوا ببساطة وتتابعوا الاهتداء الشخصي يومياً. بالنسبة له، أنتم أساقفة بحسب كلمات القديس أغسطينوس؛ إلا أنكم مدعوون معهم لتكونوا أتباعاً للمسيح (عظة 340، 1). لذلك أحثكم على تجديد حس مسؤوليتكم أمام الله، والنمو بالتضامن مع شعبكم، وتعميق اهتمامكم الرعوي بكافة أفراد رعيتكم. أسألكم بخاصة أن تنتبهوا إلى الحياة الروحية والأخلاقية الخاصة بكل واحد من كهنتكم. كونوا لهم قدوة بحياتكم، وتقربوا منهم، وأصغوا إلى مخاوفهم، وشجعوهم في هذه الأوقات العصيبة وغذوا شعلة محبتهم للمسيح والتزامهم بخدمة إخوتهم وأخواتهم.

كذلك، لا بد من تشجيع المؤمنين العلمانيين على تأدية دورهم في حياة الكنيسة. لذا، احرصوا على تنشئتهم ليتمكنوا من تقديم شهادة إنجيلية واضحة ومقنعة في المجتمع المعاصر (1 بط 3، 15)، ومن التعاون بشكل أكبر في حياة الكنيسة ورسالتها. هذا ما سيساعدكم مجدداً على أن تكونوا مرشدين وشهوداً موثوقين لحقيقة المسيح المخلصة.

12. إلى جميع المؤمينن في إيرلندا

إن تجربة الشباب في الكنيسة يجب أن تثمر دوماً في لقاء شخصي ومتفانٍ مع يسوع المسيح ضمن جماعة محبة وداعمة. في هذه البيئة، يجب أن يقدَّم التشجيع للشباب لينموا حتى بلوغ مكانتهم البشرية والروحية التامة، وليتطلعوا إلى مثل القداسة والمحبة والحقيقة، ويستقوا الإلهام من ثروات تقليد ديني وثقافي عظيم. في مجتمعنا الذي تتزايد فيه العلمنة والذي كثيراً ما نجد فيه نحن المسيحيون أنه من الصعب التحدث عن البعد السامي لوجودنا، نحتاج إلى إيجاد سبل جديدة لنقل جمال وثروة الصداقة مع يسوع المسيح في شركة كنيسته. في سبيل حل الأزمة الراهنة، تبرز ضرورة التدابير اللازمة للتصدي للجرائم الفردية بشكل صحيح، لكنها ليست كافية وحدها: فلا بد من رؤية جديدة لإلهام الأجيال الحاضرة والمستقبلية لتثمين هبة إيماننا المشترك. من خلال اتباع الدرب المشار إليها في الإنجيل، ومن خلال مراعاة الوصايا ومطابقة حياتكم أكثر فأكثر مع شخص يسوع المسيح، ستختبرون التجدد العميق الضروري في هذا الزمن. هنا أدعوكم جميعاً إلى المثابرة على هذه الدرب.

نقلته إلى العربية غرة معيط (Zenit.org)

حقوق الطبع محفوظة لمكتبة النشر الفاتيكانية 2010   

Print Friendly, PDF & Email
Share this Entry

ZENIT Staff

فريق القسم العربي في وكالة زينيت العالمية يعمل في مناطق مختلفة من العالم لكي يوصل لكم صوت الكنيسة ووقع صدى الإنجيل الحي.

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير