احد بشارة العذراء ( لوقا 1: 26-38) بحسب طقس الكنيسة السريانية الانطاكية

زمن المجيء والميلاد يجعلنا نتعرف بشكل عميق عن حقيقة إلهنا… هذا الإله الذي يفعل كل ما بوسعه ليعلمنا كيف نكون اناساً حقيقيين… نتأمل في هذا الزمن في مبادرة إلهنا المجانية لتحقيق الخلاص لنا، بان يصبح هو انساناً، محدوداً، وبهذا يثبت انه موجود (من اجلنا) وهذا هو إلهنا، أنا هو منو هو، أكون من أكون، من اجلكم. هذا ما أفهمه الله لموسى عندما ساله عن شخصه، اهيه أشير اهيه، أكون من أكون من اجلكم…

Share this Entry

       ولكن، كيف يدخل إلهنا عالمنا؟ كيف يستطيع دخول حياتنا؟. بالتأكيد لا يدخل عنوة، بل يطرح الأبواب ويسأل الدخول. لا يفرض نفسه علينا، بل يسألنا إن كان بالإمكان أن يدخل حياتنا، له كل القدرة أن يفرض علينا ما يريد، ولكنه لا يتعامل معنا بهذه الطريقة، بل يتعامل معنا بكل حرية، لانه يريدنا معه احراراً، يريد منا ان ننطلق من حريتنا للدخول معه في علاقة، هو يريد علاقة مبنية على عهد، وهذه العلاقة لا تاتي إلا باختيار حر وقبول حر أيضاً…

       مريم، هذه الإنسانة البسيطة، من قرية صغيرة وبسيطة، من الناصرة، يطرق الرب بابها، ويسألها أن تساعده ليدخل عالم البشر، ليعلمهم كيف يسيرون بطريقة صحيحة بدل التعرج بين الجانبين… ومريم تتحيّر في امر هذه الرسالة، ولديها الحق في التساؤل، وتسمع جواباً (الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تضللك). تعرف مريم أن الحبل دون معرفة رجل امر مستحيل، وتعرف أيضاً انها إن حبلت دون زواج فإن المجتمع سيحكم عليها بالموت… مع هذا، هي تسمع وتفهم، تفهم بان الحبل دون معرفة رجل غير ممكنة، ولكن قدرة الله تجعل كل شيء ممكناً، وتعرف مريم بانها ستكون عرضة للخطر من قبل المجتمع، ولكن لها ثقة بان الله هو يحمي رسالته، لهذا، وبكل ثقة تقول: ها انذا خادمة للرب، ليكن لي بحسب قولك…

       استسلام تام وكلي، بالرغم من وجود التساؤلات، إلا انها تقبل وبثقة مطلقة، لا تعرف كيف وأين ومتى وماذا يحل بها، ولكن هي تعرف أمراً واحداً، ان الله سيحمي رسالته…

       زمن المجيء، يُظهِر لنا امراً مهماً جداً، وهي ان إلهنا يتحرك نحونا انطلاقاً من واقعنا، من محدودية فكرنا وطبيعتنا، يتكلم معنا بلغتنا، يتكلم معنا من خلال حياتنا… يريد ان يصبح انساناً ليتكلم لغتنا ويصبح قريباً منا، لنفهمه اكثر، ولنتعلم منه كيف نكون اناساً حقيقيين… وليس على الإنسان إلا ان يقبل ويفتح قلبه ليرى وبعيون بسيطة، حقيقة الله وحقيقة مبادرته من اجلنا، لانه دائماً من اجلنا…

       ما يشدّنا في موقف مريم من بشارة الملاك هو انها لا تتفلسف وتُلبِس البشارة ما تريده هي او طريقتها هي، بل تفتح المجال لله لان يحقق طريقته في تحقيق الخلاص للإنسان.. لماذا؟ لان الله يفعل كل ما يريد بشكل كامل وبافضل مايكون، ومريم تعرف أن الله يعرف ان يقوم بكل شيء باحسن طريقة، أفضل من الإنسان… في الوقت الذي نرى انفسنا نتفلسف ونفسر الله على مزاجياتنا وعقلياتنا، نفرض عليه ما نريد نحن، وننسى ان المطلوب منا ان نعمل ارادته اكثر من ارادتنا.. لتكن مشيئتك هي ما قالته مريم، وهي نفس الكلمة التي قالها يسوع في بستان الزيتون.. ونحن أيضا، علينا ان نقول للرب، لتكن مشيئتك، ليكن لي بحسب قولك..

       وفي حياتنا الاجتماعية وعلاقاتنا، كثيراً ما نفرض انفسنا على الآخرين، افكارنا، معتقداتنا، افتراضاتنا، متناسين أننا مدعوين لندخل في علاقة، ولكي تكون العلاقة صحيحة، علينا ان نكون مثل إلهنا، نطرق الباب ونطلب بلطف، ونتعامل مع الآخرين بحرية… هكذا سنستطيع التجسد في ذواتهم.. وأيضاً، كثيراً ما نتفلسف ونقيس الناس على مزاجياتنا واحكامنا المحدودة، ونحكم عليهم ونسجنهم داخل اطر ضيقة، ولا ندعهم يكشفون لنا ذواتهم وحقيقتهم لنعرفهم بشكل افضل…

       ولكي نعرف كيف نعيش هذه الحقيقة، وبهذا يكون خلاصنا، علينا ان نتعلم الإصغاء، أي ان نسمع اكثر مما نتكلم.. هذا الاصغاء، سيجعل الكلمة تدخل اعماقنا، فنلمس عمقها ودفئها وحقيقتها، فنقبلها، ونسنتسلم بثقة لإلهنا ليحقق فعله الخلاصي من خلالنا.. لان إلهنا، لا يريد تحقيق فعله الخلاصي لحياتنا لوحده، بل يريد ان يشارك الإنسان في تحقيق هذا الخلاص.. لان أي مبادرة بدون جواب حر من قبل الانسان، لن يكون فعالاً، وسيكون مجرد تمثيلية ومنهجية جافة يحققها الله.. ولكن الخلاص، هو فعل الهي بمبادرة مجانية وحرة وبدون استحقاق منا، وبقبول حر من الانسان… 

       الملاك يأتي إلينا اليوم كما ذهب الى مريم، يدعونا ويبلغنا رسالة الرب، أريد ان ادخل العالم من خلالك، اريد تحقيق الخلاص في حياتك وحياة الآخرين، من خلالك، فهل سننطق بالكلمة التي جعلت مريم تستحق الطوبى؟ (نعم)… نعم حرة وواثقة…

       اليوم، في زمن المجيء، ولكي نولد مع يسوع، علينا ان نبدأ بمعرفة من نحن، ومعرفة حقيقة الإله الذي يطرق ابوابنا، ليهذبنا ويربينا لنتعلم السير بالطريقة الصحيحة. هكذا نكون على صورته، هكذا يتجدد وجه الأرض، وتكون حسنة جداً جداً، كما يريدها إلهنا… آمين

Share this Entry

الأب منتصر حداد

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير